إختر لونك المفضل : اخضر أزرق احمر

العودة   منتدى قبيلة البوسلطان - الموقع الرسمي لقبيلة البوسلطان المنتديات الثقافية منتدى مكتبة الأفلام
أهلا وسهلا بك إلى منتدى قبيلة البوسلطان - الموقع الرسمي لقبيلة البوسلطان.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 08-11-2010, 09:49 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
ادارة الموقع
اللقب:
الاداره
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية ادارة الموقع

البيانات
التسجيل: Mar 2010
العضوية: 1
المشاركات: 867
بمعدل : 0.50 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ادارة الموقع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى مكتبة الأفلام
افتراضي مدينة الحله في الذاكره - 1


مسلسل الحلة في الذاكرة
د.عدنان الظاهر
نوفمبر 2007

مدينة الحلة في الذاكرة (1)
أهابَ بي أكثر من صديق وألحَّ عليَّ أن أكتب شيئاً عن أبرز معالم مدينتنا الحلة الفيحاء ، حلة بابل حمورابي ثم نوبخذ نُصّر . جالت بي الذكريات طولاً وعرضاً وقد كتبت ونشرت جانباً من تأريخ الحلة النقابي والسياسي زمن حكم عبد الكريم قاسم . وتحت ضغط الأصدقاء الأعزّاء عقدتُ عزمي أن أكتب ما رشح في ذاكرتي عن أمور أخرى لا علاقةَ لها بالسياسة ومعارك إنتخابات نقابة المعلمين . إستعرضتُ الحلة وشوارعها وعادات أهلها ومدارسها العتيقة التي تخرجت فيها آلاف ٌ مؤلفة من شتى الأجيال وساهمت في تشكيل وصياغة وجه الحلة على مدى ثلاثة عقود من القرن المنصرم : الأربعينيات فالخمسينيات ثم الستينيات . لا أعرف شيئاً عن الحلة في ثلاثينيات القرن الماضي ولا عنها فيما بعد عام 1962 حيث غادرتها والعراق للدراسة والبحث في جامعتي موسكو وكالفورنيا .
قررتُ أن أبرمج ذكرياتي وأخص في كل واحدة منها شأناً معيناً عايشه الحلاويون ممن هم من جيلي أو قريباً منه . وعليه فسأبدأ بمدارس الحلة خلال العقود الثلاثة آنفة الذكر .
أولاً : المدارس الإبتدائية

كانت في مطالع أربعينيات القرن الماضي في عموم مدينة الحلة ثلاث مدارس إبتدائية فقط قديمة تتنافس مع بعضها في أمور كثيرة وعلى رأسها عالم الرياضة ثم أسماء وشخصيات مديريها . المدرستان الأقدم هما الغربية الإبتدائية للبنين ثم الإبتدائية الشرقية للبنين تقعان في الجانب أو الصوب الكبير من مدينة الحلة . أما الثالثة فهي الفيحاء الإبتدائية للبنين وكانت تقع على ضفة نهر الفرات من الجانب أو الصوب الصغير لمدينة الحلة . لا أعرف مّن كان يدير المدرسة الإبتدائية الغربية والفيحاء أوائل أربعينيات القرن الماضي لكني أعرف من أدارهما بعد ذلك ولغاية سني الستينيات الأولى ولفترات طويلة . كان المربي الأستاذ قاسم خليل ( أبو أمين ) مديراً للغربية جاء بعده مباشرة ً في إدارتها الأستاذ الحلاوي ( حميد خليل ) ... وكان الأستاذ ( موسى الأعرجي ) مديراً للفيحاء . أما مدراء المدرسة الشرقية فقد عاصرتهم واحداً من تلامذة هذه المدرسة . كان أولهم المربي الفاضل السيد ( حسن الفلوجي / أبو تحسين ). خلفه الأستاذ ( عبد الحسين الشهيّب / شقيق شاعر ثورة العشرين الدكتور محمد مهدي البصير ) . جاء بعده وبقي لفترة طويلة المربي الرائع خُلقاً وأدباً وخلقة ً الأستاذ ( محسن ياسين ) . عاصرت الجميع مذ سنتي الثانية في المدرسة الشرقية حتى السنة السادسة [[ 1942 ـ 1948 ]] . كان الفلوجي مديراً صارماً مع بعض القسوة . أتذكر مرة ً إذْ كنا خلال إحدى الفرص بين حصة دراسية وأخرى فشاهدنا طائرة تحوم على إرتفاع منخفض فوق سماء الحلة فظللنا نراقبها وفاتنا سماع الجرس الخاص الذي يعلن إنتهاء الفرصة فرجعنا لصفوفنا متأخرين قليلاً . قامت قيامة مديرنا حسن الفلوجي فأمر بجمعنا في القاعة الداخلية للمدرسة التي تتوسط أربعة أو خمسة صفوف وهناك جاءنا يحمل ( خيزرانة ) ذات رأس مكوَّر يحمل لنا الرعب والخوف والويل . إصطففنا كما أمر المدير وبدأ يعاقبنا جميعاً بضربتين قاسيتين من خيزرانته واحدة في الكف الأيمن والأخرى في الكف الأيسر فبكى من شدة الألم من بكى وتحمل الضربات مَن تحمّل وتصبّر . كانت تبقى آثار الضربات في أكفنا لفترة طويلة ، خطوطاً حمراً مؤلمة .
في زمان أبي تحسين حدثت حادثة طريفة سببت أولاً حزناً عميقاً لدى أهل الحلة قاطبة ثم إنقلبت في نهاية المطاف إلى دعابة . نظمت إدارة المدرسة سفرة بإحدى السفن الشراعية الضخمة إلى قرية ( الدولاب ) القريبة من الحلة . أقلعت السفينة مع إتجاه مياه نهر الفرات بمن فيها تلامذة ومعلمين وكانت الأمور كافة ً طبيعية . فجأة ً , فجأة ً ... إنتشر خبر في المدينة كأنه النار في الهشيم مفاده أنَّ السفينة التي أقلت التلامذة قد غرقت وإبتلعتها مياه نهر الفرات . كارثة !! هُرعت الحلة عن بِكرة أبيها بإتجاه قرية الدولاب لإستطلاع مصداقية الخبر جرياً على الأقدام أو ركوباً على خيول أو في سيارات . بالقرب من هدف السفرة النهائي على مبعدة من قرية الدولاب رأى الراكضون والمفزعون أنَّ كل شئ على ما يرام ... السفينة تمخر عباب الفرات راسخةً مهيبة وقائدها (( النوخذة )) يتصدر دفتها الأمامية يحرك (( سكانها )) بثقة وتؤدة . آب َ للحلة أهلها الذين قتلهم الفزع على مصائر فلذات أكبادهم ... عادوا ليتحروا مصدر الشائعة الخبيثة اللئيمة فلم يعثروا له على أثر !! من كان مصدر الشائعة ؟ بعد الحادث مباشرةً نظمت إدارة المدرسة الشرقية حفلاً ترفيهياً عاماً على مسرح متوسطة الحلة للبنات حضرته جماهير الحلة نساءً ورجالاً إحتفالاً بسلامة أطفالهم . أتذكر أن بعض أناشيد الحفل كان قد قام بتلحينها معلم الموسيقى ( إلياهو منشّي ... ) وكان عازفاً ماهراً على آلة العود . أدت هذه الأناشيد فرقة من طلبة المدرسة الشرقية أتذكر من بينهم ( علي عبد الحسين علوش ) و ( مبدر جابر ) و ( حليم عبادة ) ولا تحضرني أسماء الآخرين . كما مثل بعض الطلبة تمثيلية هزلية ساخرة كان بطلها الكوميدي الطالب ( عَوجي ) ... لا أعرف إسم أبيه . مثل دور طبيب تزوره سيدة عجوز شاكيةً من مرض ألمَّ بها فيسألها كالمعتاد عما ألم َّ بها فتجيبه (( يمّه ، أصخ وأكحّن )) تقصد إنها تكح ولديها حرارة أو سخونة غير عادية . كانت تلك نكتة الحلة بلا منازع .
في تلك السنة ، العام الدراسي 1942 / 1943 كان أخي قحطان في الصف الخامس ومن بين مجموعته أتذكر كلاً من الأخوة : ممتاز كامل كريدي وشجاع علاء الدين القزويني وعلي عبد الحسين علوش وصفاء رزوقي المرعب وعبد الحسين علوان شلاش وإبن عمتي فخري هلال السريراتي وحليم منجي وعبد الهادي صالح الياسري [ أضاف الصديق الدكتور ممتاز كريدي تلفونياً إسم صادق حميد علوش إلى هذه المجموعة مشكوراً ] .
إنتقل الأستاذ عبد الحسن الفلوجي فحلَّ محله في إدارة الإبتدائية الشرقية الأستاذ عبد الحسين شهيب . أتذكر أبرز معلمي المدرسة في تلكم الحقبة كلاً من : محسن ياسين وفاهم غزالة ومعلم بصري إسمه ظافر وآخر حلاوي من آل وهيّب ثم مجيد عزيز وآخر غريب عن الحلة دائم السكر مريض العينين إسمه جلال يأتي الصف مخموراً ، يقفل الباب ويشرع بالتعرض للتلاميذ اليهود بنذالة وخسة . ثم إلتحق بالشرقية المربي الفاضل الفنان الأستاذ سلمان موسى الحمداني ( أبو صبيح ) مدرِّساً للرسم فكان حريصاً على إقامة المعارض الفنية كل عام وكان لا يكلُّ عن محاولات إكتشاف مواهب الرسم في طلابه وتشجيعهم على الإشتراك بلوحاتهم أثناء المعارض السنوية .
كان موقع الشرقية الإبتدائية موقعاً ممتازاً في وسط المدينة وعلى ضفة نهر الفرات تفصله عنه حديقة واسعة فيها الكثير من أشجار النخيل الباسقة لكننا كنا نشكو صيفاً من عفونة ماء الخزانات وما نجد فيه من دود وغير الدود . ثم قذارة بيوت الراحة ( المراحيض ) حتى أنَّ أحدنا كان يكتم حاجاته الطبيعية ويتعسف مع نفسه حتى يريح نفسه مما هو فيه في بيته بعد إنتهاء الدوام . مصيبة حقيقية .
لم تكنْ متوسطة الحلة ببعيدة عن الشرقية ، يتوسطهما مستوصف صحة الطلاب . أما من الجهة الغربية للمدرسة فكان هناك بيت كبير تملكه وتسكنه عائلة يهودية ، يقابل هذا البيت معمل المشروبات الغازية ( السيفون ) الشهير لصاحبه السيد ( محمد الناصر ) . وكان أشهر ( فرّاش ) في الشرقية هو السيد ( عليوي ) . كان في غاية الضبط فلا يسمح لأي ٍّ كان بمغادرة المدرسة إلا بإذن كتابي من لدن المدير . أما إذا تأخر أحدنا من الحضور إلى المدرسة في الصباحات الباكرة لبضع دقائق فويلٌ له من ( خيزرانة ) المدير .
مقابل الشرقية تماماً كان موقع قصر الشيخ عبد المحسن الجريان والد حاتم وعادل وثامر وعامر وصهر الوزير القديم السيد سلمان البرّاك . خدم في مدينة الحلة العديد من الأطباء السوريين واللبنانيين كما أدار بعضهم مستوصف صحة الطلاب وحتى ستينيات القرن الماضي كالطبيب اللبناني سامي شيخاني . أما الأطباء السوريون و اللبنانيون الآخرون فأذكر منهم : أمين الرفاعي ويوسف جبّوري وقصدي الشهّال و ماميش ومحمد محفوظ والد زوج صلاح الدين الصباغ الذي أُعدم بعد فشل إنتفاضة الجيش العراقي ضد المستعمر الإنجليزي في شهر مايس 1941 مع ثلاثة آخرين من رفاقه . العجيب أنَّ أغلبَ مَن يأتي الحلة َ من هؤلاء الأطباء يمكث ويقيم فيها ولا يبرحها ، بل وأنَّ بعضهم إكتسب الجنسية العراقية مثل يوسف جبوري وأمين الرفاعي ( بالزواج من سيدة عراقية من أهالي العمارة ) وسامي شيخاني .

__________________












توقيع : ادارة الموقع

قهوة البوسلطان

في مضيف البوسلطان

عرض البوم صور ادارة الموقع   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 09:59 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
ادارة الموقع
اللقب:
الاداره
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية ادارة الموقع

البيانات
التسجيل: Mar 2010
العضوية: 1
المشاركات: 867
بمعدل : 0.50 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ادارة الموقع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ادارة الموقع المنتدى : منتدى مكتبة الأفلام
افتراضي رد: مدينة الحله في الذاكره - 1

احمد الباقر



رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى
الحلقة الثانية
مباريات كرة القدم بين الشرقية والغربية

كانت الحلة تجتمع في ساحة خاصة تخص حامية الحلة العسكرية حين تقوم مباراة في كرة القدم بين فريقي الشرقية والغربية . كانت المنطقة مكتظة ً بغابات النخيل ولم تكن الساحة معبدة ً أو مزروعة ً بالحشيش
( الثيل ) فكان الغبار يتصاعد إلى عنان السماء مع كل ركلة قوية للكرة . لم يكن عشاق كرة القدم وحدهم مَن يحضر هذه المباراة ، بل كانت عربات الشلغم المطبوخ بالدبس تزاحم الجميع للوصول إلى ساحة اللعب تتصاعد منها أبخرة الشلغم الحلو المحاط بالرارنج والخل والملح . تنتهي المباراة ولا أحد يعرف من الرابح ومَن الخاسر ! كلا الفريقين يهتف عالياً : بالميّة ميّة تغلب الشرقية ... فيقابله صراخ حاد من الجهة الأخرى هاتفاً : بالمية ميّة تغلب الغربية !! أي أنَّ فوز المدرسة الشرقية مضمون مائة بالمائة أو فوز الغربية مضمون 100 % 100 . وحين تؤوب الفرق المتنافسة لمركز المدينة كانت تهزج بأهزوجة شهيرة تقول : {{ هذا الكاس يلمعْ // وعيونهم تدمعْ }}.
جنائن بابل المعلّقة

من طرائف الحلة والعملية التربوية والظروف الدراسية فيها أنَّ الكثير من التلامذة والطلاب يفضلون الدراسة في ( حديقة الجبل ) الغناء حيث الزهور والأشجار والحشائش . الطلاب يدرسون هناك لكنهم إذ يعودون لبيوتهم مساءً يسرقون الورود ولا سيما الورد الجوري وعباد الشمس والخشخاش الأحمر و ( حلك السبع / أي فم السبع ) الأمر الذي ما كان يطيقه مسؤول هذه الحدائق الفلاح القروي ( جريمط / مُصغّر جُرْمط ْ ... ما معنى هذا الإسم ؟ ) . كان يجري سريعاً وراء حرامية الورد شاتماً متوعدا مهدداً بمنجله الحاد الشفرتين ... وفي اليوم التالي يصفح ويتقبل الأعذار وينسى كأنَّ شيئاً ما كان . ألا ما أطيبه من فلاح بسيط ، ويا ما جرى خلفي بأقصى سرعته للإمساك بي ولكن هيهات !! كنت في الركض أسرع منه .
الهيوة والجوبة

بالقرب من حديقة الجبل العامرة التي صممها وأشرف على إنشائها متصرف الحلة يومذلك السيد ( سعد جريو النجفي) ... كان هناك بيت يسمونه (( جوبة )) متواضع تسكنه عائلة فقيرة تنتشر في وسطه في أماسي وعصريات أيام الخميس أدخنة البخور الكثيفة على نقرات الدفوف ورقص النساء البدائي ... إنها رقصة ( الهيوة ) وأصحاب الدار سود البشرة وما كانوا يتقاضون أجوراً على دخول الدار . إختفى أصحاب الجوبة وإنقرضت لشديد الأسف الهيوة فخسرت الحلة أحد معالمها الفريدة رقصاً وبخوراً وطقوساً إفريقية الأصل كما إنقرضت سواها من التقاليد والطقوس والعادات المتوارثة الأصيلة . على ذكر رقصة وطقس ( الهيوة ) ... شهُر في الحلة وفي بعض أقضيتها ونواحيها في أربعينيات القرن الماضي نوع آخر من رقص المناسبات كالعرس والختان يمارسه شباب بشعور رأس طويلة يرافق رقصهم طبالون وزمارون ومصفقون ومشجعون كان من بين أكثرهم شهرة في الحلة المرحوم (( حميدي الشعّار )) . سألته مرةً إمرأة معروفة بجودة المزاح اللآذع : خالي حميدي لِمَ لا تتزوج ؟ أجابها : خالي ... أني ينرادلي واحد يتزوجني (( أي إنه هو بحاجة لمن يتزوجه !! )). . فضج السوق بالضحك العالي وكنتُ أنا شاهد هذه الواقعة .
يا عزيز الروح / صاحب عبيد الحلي

مع ظاهرة رقص الرجال المدفوع الأجر في مناسبات الأفراح راجت أغنية الّف كلماتها الشاعر الشعبي وقارئ تعازي الحسين السيد ( صاحب عبيد الحلي / أبو عدي ) . إنتشرت هذه الأغنية التي قام مؤلف كلماتها بتلحينها بصورة بدائية فما كان الرجل يعرف الموسيقى والتلحين الموسيقي . إنها أغنية [[ يا عزيز الروح يا بعد عيني // شنهو ذنبي وياك ما تحاكيني ؟ ]] ... طبقت شهرتها الآفاق حتى غناها فيما بعد مشاهير المطربين العراقيين ( ياس خضر ) و ( حسين نعمة ) و ( زهور حسين ) و( سعدي الحلي ) وهو أولى الجميع بها لأنه هو الآخر ... حلاوي كشأن صاحبها صاحب عبيد . الغريب أنَّ هؤلاء جميعاً ومن قاد فرقهم الموسيقية المرافقة لأدائهم لم يذكروا صاحب كلمات ولحن هذه الأغنية !! أهو الجهل أم نكران الجميل أم سوء أخلاق ؟؟؟

هامش هام : حول مدارس الحلة ... يُراجع كتاب [[ تأريخ الحلة / القسم الأول ، لمؤلفه الشيخ يوسف كركوش . الطبعة الأولى 1965 ـ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف ]] .

الحلة في الذاكرة ( ٦)


مقاهي وحمامات الحلة
المقاهي /
مقهيان ... نعم ، مقهيان من أقدم مقاهي الحلة هما مقهى ( أبو سراج ) ومقهى ( حسين أسمة ) . إنتقل السيد أبو سراج إلى بغداد وكنتُ عام 1954 / 1955 أرتاد مقهاه هناك في شارع يتفرع من ساحة تواجه جسر الشهداء . وكان له شريك في المقهى رجلٌ من الحلة لا يحضرني إسمه قليل الكلام خفيض الصوت طويل القامة [[ أخبرني لاحقا ً صديقي العزيز الأستاذ مؤيد عبد الأئمة سعيد من فرنسا أن هذا الرجل هو هادي المرزة ، وإنه شاعر شعبي من الحلة ]] .
لم يطلْ مقام أبي سراج ( وهذا لقب عائلته إذ لم يُسم أحد أولاده بإسم سراج ) في بغداد فعاد إلى مدينته الحلة وإفتتح في أعوام عبد الكريم قاسم مقهى أنيقاً مزداناً بالعديد من المرايا يقع على نهر الفرات قريباً من طرف الجسر العتيق الضيق الذي يربط جانب الحلة الكبير بالآخر الصغير . أما الآخر ، السيد حسين أسمة ، فقد فارق الحياة مبكراً فأدار ولده ( فؤاد ) مقهى والده التي كانت تقع في منطقة باب المشهد في الحلة على تقاطع شارعين من شوارع تلك المنطقة الرئيسة .
كانت أغلبية مقاهي الحلة تقع على ضفاف نهر الفرات أو قريبةً منه وقد أخذت بالتكاثر الملحوظ بعد الحرب العالمية الثانية فظهرت أسماء لمقاهٍ جديدة ما كانت مالوفة قبل ذاك الزمان . أذكر مقهى ( الخورنق ) الهائلة المساحة مقابل مركز شرطة الحلة وكانت قبيل ذلك مقر حزب رئيس الوزراء آنذاك السيد صالح جبر (( حزب الأمة الإشتراكي !! )) . وفي الطرف الآخر من الحلة مقهى ( السدير ) الرومانسية الموقع حيث نهر الفرات وبساتين النخيل وشجر الصفصاف تتدلى في الفرات أغصانه وليس بعيدة عنه بعض النواعير ( الكرود / جرد ) تجرها الحمير أو ثيران البقر . كانت هذه المقهى في الربيع والصيف خاصة ً تغص ُّ بجموع طلبة المدارس يحضرون دروسهم هناك زمن الإمتحانات أو يلهون بلعبة الطاولي والآزنيف وورق الكون كان ثم يأكلون الكبدة المشوية وقلوب الغنم مع البصل والطماطة . كان ( عبد الأمير ) صاحب هذه المقهى وهو خال زميلي وصديقي في ثانوية الحلة للبنين السيد ( بشار حمزة محمد علي ) وعم زميل آخر لي إ سمه ( جواد ... ) . غدا جواد فيما بعد مهندسَ مساحة وأصبح بشار ضابطاً في الجيش العراقي . لا يمكن أن ينسى المرء عامل هذه المقهى الحشاش ( قوري ) ... حين يكلفه أحد مرتادي المقهى بشراء حاجة من نادي الضباط على سبيل المثال فإنه يضع دراجته الهوائية على كتفه ويسرع راكضاً عابراً الجسر ... وحين يؤوب حاملاً الحاجة معه نسأله : يا سيد قوري ، لِمَ وضعت دراجتك الهوائية على كتفك ثم مضيت إلى غايتك راكضاً ؟ يجيب بثقة : عمّي لكي أصل إلى نادي الضباط بسرعة ... الأفندي أراد مني أن أجلب له ربع عرق وقال (( أركض بسرعة جيب لي عرق حتى أسكر زين )) ... !! مسكين قوري الحشاش . مرة أخرى كلفه نفس الشخص أن يجلب له مشروباً من نفس النادي . ذهب ماشياً هذه المرة بعد فضيحة الدراجة الهوائية لكنه لم يلبث أن عاد مكسور الخاطر حزيناً مهموماً لا يجرؤ أن يرفع عينيه أمام مَن كلفه وهو يرد له نقوده . سأله ما بك يا قوري وأين ربع العرق ؟ قال له : عمّي والله خايف منك . ليش تخاف مني ، سأله ؟ لم أستطع عبور النهر . لماذا يا قوري ؟ الجسر مقطوع عمّي !! وما كان الجسر على نهر الفرات مقطوعاً .
ثمة مقهى أخرى تقابل مقهى السدير على الجانب الآخر من مدينة الحلة قريبةً من الجسر الجديد لا أعرف إسم صاحبها لكنها كانت جزءاً من بستان نخيلهِ الخاص ( لعل إسمه عمران ) . ثم ، وفي الطريق إلى محطة القطار كانت هناك دار سينما صيفية ومقهى في بستان يملكها السيد ( حمود الهجول ) والد كل من ( جاسم ) و ( جعفر ) . كان جاسم حزبياً بعثياً وكان جعفر شيوعياً وكنتُ ألاطف والديهما فأساله : يا عم ، مع مَن أنت من بين ولديك ، مع جاسم البعثي أم مع صديقي جعفر الصغير ؟ يسكت العم حمود الهجول بكل أدب ومودة ويشرق وجهه الصبوح النوراني ببسمة رجل جرّب الحياة وعركها وعركته ويظل على صمته ولا يجيب على سؤالي . الحق معه ، إنه أب ونعم الأب لكلا ولديه فكيف تفرق السياسة بين والد وبنيه ؟ ما زلتُ أتذكر بعض رواد مقهى حمود الهجول وكانت فيهم نسبة عالية من زملائي في الثانوية يتوسطهم رجل أنيق يرتدي صيفاً ملابس بيضاً مع كوفية وعقال وعباءة جوزية اللون لا علاقةَ له بعالم الطلبة . كان يطلب يومياً من عامل المقهى أن يبتاع له ( ربع بطل عرق ) من نادي الضباط فينتشي ويتم سروره محاطاً بطلبة المدارس من أبناء أصدقائه أو أقاربه . كان في غاية الأدب والهدوء وكان موضع إحترام وحب الجميع . إنه السيد [ عباس غلام ].
أما مقهى ( سومر ) في مركز المدينة فكانت هي الأخرى من المقاهي المتميزة جداًُ بحسن إدارتها وتنوع ما تعرض لمرتاديها من مشروبات ومأكولات بفضل إبداعات ذويها ولا سيما الصديق ( جبار عبود العجمي / جبار أبو الشربت في بغداد فيما بعد ) وشقيقه ( نجم عبود العجمي ) . ففضلاً عن دوندرمة الصيف الممتازة كانت البقلاوة شتاءً والهريسة فطوراً للصباح وهما أمران ما كانا معروفين من بين تقاليد مقاهي الحلة . لا يفوتني بالطبع ذكر مقهى ( السيد شاكر الشلاه ) مقابل مركز شرطة الحلة والدور الذي لعبه بعض مرتاديها في الإجهاز على ثورة تموز 1958 وكنتُ قد فصلت ذلك في الجزء الأول من مذكراتي المنشورة .
من مقاهي الحلة التي خصصت أساساً لطلبة المدارس للدراسة واللهو مقهى ( حسوني آل حجاب ) في منطقة الجامعين على ساحل الفرات تماماً تجاورها دار سينما صيفية. ثم إلتحق الصديق الرياضي الأشهر في الحلة السيد
( حساني كاظم الموسوي ) فكانت مقاهيه المحاذية للنهر تعج بالطلبة حيث طورها فخصص فيها مكانات للتبول وصار يبيع فيها أكلة ( الكص / الشاورما / الدونر كباب ) .
مقاهي الحلة كثيرة جداً في كلا جانبي المدينة لكني ركزت على أكثرها شهرةً ثم تلك التي كنتُ أرتادها مع أصدقائي خلال شهور الصيف أو الشتاء طالباً ومدرساً في سلك التعليم الثانوي .
__________________


#3






احمد الباقر


شخصيات مهمه





رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


حمّامات الحلة


في الحلة بضعة حمامات عمومية لكنَّ أكثرها شهرة هما الحمام الواقع في منطقة الحشاشة في وسط الحلة . ثم حمام في منطقة أو محلة المهدية . هناك حمامان آخران هما حمام الحسين وحمام عمر أغا يقعان في وسط درابين ضيقة يخصص أحدهما يوماً واحداً في الأسبوع لإستقبال النساء . تذهب نساء الحلة إليه مبكراً محملات بالأطعمة وفاكهة النارنج بشكل خاص ومعدات الإستحمام الطويل من ( طين خاوة ) والأمشاط الخشبية وحجر أسود لصقل وتلميع الأقدام و( الديرم ) والحناء ويقضين هناك أوقاتاً طويلة . أما الرجال فلهم طقوسهم الخاصة وعاداتهم كإزالة الشعر بمسحوق دواء الحمام ( دوة حمام / خلطة من النورة والزرنيخ ) ، ثم تدليك المدلكين مع المساجات ، ثم الغطس في أحواض الماء الفائق الحرارة وإسم واحدها ( قزان ) ... من خزان . وحين ينتهي أحد الزبائن من الإستحمام ينادي المدلك بصوت ٍ عالٍ : هوووووو ... فيأتي شخص آخر مع بضعة مناشف يغطي بها جسد المستحم الذي يأخذ طريقه إلى مكانه حيث ترك ملابسه هناك . يستريح قليلاً ثم يطلب قدح ( ستكان ) دارسين . يجلب أغلب المستحمين مناشفهم معهم خوفاً من الإصابة ببعض الأمراض الجلدية . تغدو عملية تجفيف المناشف شتاءً صعبة خاصة ً إذا كان اليوم غائماً أو مطيراً . وكان هذا سبباً آخرَ معقولاً ليجلب المستحمون مناشفهم معهم من بيوتهم .


إكتشفتُ من باب الصدفة أنَّ حمام منطقة الحشاشة يصرِّف مياه الغسيل والإستحمام خلال قناة ضيقة تحت الأرض إلى نهر الفرات وما كان بعيداً عن موقع الحّمام !! مياه فيها سموم الزرنيخ تنتهي في نهر الفرات ، مصدر مياه الشرب للناس والمواشي والبساتين والزروع !! جريمة كبرى كيف فاتت المسؤولين عن الحلة وعن صحة أهاليها طوال حقبة طويلة من الزمن . لا أعرف كيف تصرف باقي الحمامات مخلفات مياهها القذرة ومحتوياتها السامة ؟


مهن خاصة وعادات وتقاليد وطقوس


شاعت في أربعينيات القرن الماضي في مدينة الحلة مهن ٌ نسائية خاصة تمارسها بعض النسوة داخل بيوتهن َّ منها :


أولا ً / ممارسة السحر


وقراءة تخت الرمل وقراءة الطالع في المرآة وممارسة آليات خاصة بتعميق المحبة بين الرجل وإمرأته أو لإيقاع الطلاق بينهما بوصفة مخصوصة إسمها (( الصرفة )) تنظمها الساحرة بطلب خاص عالي الثمن من قبل حماة المرأة لأنها لا تحبها أو تغار منها أو بطلب من ولدها . كانت أكثر ساحرات (( أو سحّارات )) الحلة شهرة ً سيدة معروفة بكنية (( أم مهدي السحّارة )) . وبين سحرة الرجال كل من (( أبو هوسة )) و(( السيد مرزة )) وكان هذان الرجلان مختصين بالدرجة الأولى بكشف أسرار السرّاق وما يقومون به من سرقات للبيوت على وجه الخصوص. كما شاع في تلكم الأوقات تعبير (( تراب إدريس )) وهو تراب محضَّر بطريقة خاصة لا يعرفها إلا الساحر أو الساحرة . مهمة ومفعول هذا التراب محصورتان بتسبيب حالة وقتية من العمى في أصحاب الدار التي يُرمى فيها بعض هذا التراب . عندذاك يدخل الدار مَن يروم الدخول لسرقة شئ ما يعرف مكانه أو لإحداث فوضى تجلب البلبلة والحيرة لأهل الدار إنتقاماً أو ثأراً أو غيرةً أو لإحداث صدمة عصبية لأهل هذا الدار .


ثانياً / كوي وصبغ الشعر


مهنة أخرى شاعت ومورست في بعض البيوت لكي شعر رؤوس النساء ، أي لجعله ملتوياً ملفلفاً كشعر النساء الإفريقيات . كذلك مورست عملية صبغ الشعر وخاصة بسائل ( بيروكسيد الهايدروجين ) الذي يقصر الشعر الأسود ويحوله تحت أشعة الشمس إلى اللون الأصفر . بعض صباغات شعر الرؤوس مارسن حتى حلاقة شعر السيدات . أما ( الحفافات ) فلهن بيوتهن الأخرى حيث لا صبغ ولا كي بل يمارسن إزالة الشعر غير المرغوب فيه في جبهة ووجه وباقي جسد المرأة ساقيها وتحت إبطيها .


ما كانت هناك نساء متخصصات في وضع الحناء على شعر رؤوس النساء وفي أكفهن َّ أو أقدامهن َّ ، بل كنَّ هن َّ مَن يمارس لطخات الحناء ليلاً في معظم الأحيان .


ثالثاً / الخياطات


الخياطة في البيوت كذلك كانت شائعة كثيراً ومنتشرة في مدينة الحلة. كنتُ صغيراً ترسلني والدتي لأمرأة بعينها دارها غير بعيد عن دارنا في محلة ( جبران ) في وسط الحلة . أطرق الباب فتفتحه موارباً وتكلمني من وراء ستارة تتدلى على باب الدار . تطلب مني أن أقف لكي تقدّر طولي دون أن تسمح لي بدخول دارها علماً أنها كانت سيدة متزوجة ولها مجموعة أطفال أكبرهم سناً بنت ٌ بمثل عمري . تقول تعالََ غداً عصراً فستكون ( الدشداشة ) جاهزة . أذهب إليها لأستلم دشداشتي الجديدة وأسألها ـ وأنا أعرف مقدار أجرتها ـ فتقول : هات مائة فلساً . أعطتني والدتي هذا المبلغ لكني أقول للخياطة كاذباً : ليس معي إلا ثمانون فلساً !! تقول ( ميخالف ! ) ، تعال في المرة القادمة ومعك في جيبك مائة فلساً . أستلم الدشداشة وأكاد أطير من فرحي ولا تلمني أرض الله الواسعة فدشداشة العيد في يدي وعشرون فلساً ( ضربتها ) من الخياطة في جيبي فما أسعدني من طفل يغمط حقوق الخياطات المسكينات ويكذب على والدته . طبعاً لم أكن أكشف سر خدعتي لوالدتي لكنها ستعرفه لاحقاً حين تلتقي هذه الخياطة صدفة ً أو إتفاقاً هنا أو هناك في هذه المناسبة أو في واحدة أخرى . ستعرف ثم تسحبني من أذني ضاحكة : يا خبيث يا ملعون لا تكررها مرة ً أخرى ... أحرجتني مع الخياطة . ما كنا نخيط إلا الدشاديش عند خياطات البيوت ، أما الملابس الداخلية الصغيرة فكانت تخيطها أمهاتنا أو أخواتنا باليد أو بماكنة ماركة ( سنجر ) الإنجليزية تدار الصغيرة باليد والكبيرة بالقدم . خياطات البيوت مختصات بخياطة ملابس النساء أما الرجال فلهم خياطوهم وكانوا في الحلة كثرة فيهم نسبة عالية من الخياطين اليهود أذكر منهم الخياط ( صالح ) ثم ( فكتور ) أبو ألبير


( ألبرت ) زميلي في المدرسة الشرقية . أما الخياطون من غير اليهود فأقدمهم في هذه المهنة هو السيد ( كرماش ) وتوت ثم إرتفع إسم ( عبد الحسين عبد الكريم الصفار ) ثم ( الشيخ جواد ) الخياط السياسي ثم الخياط الظريف ( عباس جون ) . أسماء الخياطين معروفة متداولة ولكنْ لا من أحدٍ يعرف أسماء الخياطات سوى دعوتهن بأسماء أكبر أبنائهنَّ فهذه أم مهدي وتلك أم سعدي وثالثة أم عادل وهذه كانت من أكثر صباغات وكي شعر النساء شهرةً .


وثمة أمر آخر لا يخلو هو الآخر من طرافة : أن بعض النسوة مارسن التصوير الفوتوغرافي للنساء داخل دورهن وكنَّ نساء المصورين الرجال بالطبع .


رابعاً / مصورون في الحلة


أقدم مصور شمسي في الحلة هو السيد ( محمد علي شنطوط ) والد زميل الدراسة في الإبتدائية الشرقية ثم الصديق ( حسن محمد علي شنطوط ). تنتمي هذه العائلة العصامية لآل عجام لكنهم لا يتسمون بهذا الإسم ولا أعرف السبب . للمصور محمد علي شنطوط مكان خاص على رصيف الشارع الرئيس العام في وسط الحلة مجاوراً لدار ( محمد علي الحسون / والد جاسم وإخوته ) . يجلس الزبون على كرسي خشبي صغير ( صندقجة ) ويقف المصور وراء الكاميرا العتيقة ، يقول : أنظر هنا ويشير إلى بؤرة العدسة ، يلتقط الصورة ثم يدخل رأسه في مخروط طويل من القماش الأسود ويعبث لفترة من الزمن بأصابعه ثم يخرج رأسه وفي يده صورة يغمرها في سطل فيه سائل خاص ، يفركها عدة مرات حتى يظهر وجه صاحب الصورة . يقصها بعناية من جهاتها الأربع ، يقبض أجره ويقول مع السلامة. قام هذا الرجل العفيف البسيط بتأليف كتاب أواسط أربعينيات القرن الماضي إدعى فيه أنه ( المهدي المنتظر ) ... ثم إختفى من الحلة ليظهر مصوراً في مدينة الموصل ! خلفه في مهنته إثنان من أولاده هما صديقي حسن وأخوه الأصغر ( مصطفى ) . برع الإثنان في فن التصوير وحالفهما الحظ بعد إنْ إنتقلا إلى بغداد حيث يقع ستوديو حسن في رأس الحواش في الأعظمية ومحل مصطفى في الباب الشرقي قريباً من مبنى وزارة الثقافة والإعلام . صديقي حسن ترك المدرسة الشرقية مبكراً ليساعد أباه ثم ليمارس المهنة بعد غيبة والده عن الحلة . لم يترك الدراسة إلى ما لانهاية ، بل واصلها مساءً فأكمل الإبتدائية والمتوسطة ثم الثانوية في مدارس الحلة ، وحين إنتقل إلى بغداد سجّل في كلية الحقوق ( القانون والسياسة ) وتخرج فيها بتفوق لكنه لم يمارس المحاماة . قرر يوماً أن يدرس القانون في جامعة السوربون في باريس لكنه لم يجد الرجل المناسب لكي يخلفه في إدارة محله ويمده بنصف ما يأتي المحل من ريع وأرباح . أين أنتَ الآن يا صديقي الوفي حسن أبو ( حنان ) ومحلك يحمل هذا الإسم ؟ هل تتذكر لقاءنا في العاصمة البولندية وارشو شهر تموز عام 1976 وسيارتك المرسيدس السوداء التي كانت تحت تصرفنا في جولاتنا شبه الخيالية في العاصمة وضواحيها ؟؟ ما مصير ما إبتعتَ من عقار ثمين في أعظمية بغداد ؟ هل هجّرك البعثيون وباقي أشقائك ؟ هل وقف معكم إبن عمكم البعثي القديم ( علي حسين عجام شقيق تلميذي إسكندر ) ؟


أعود لمصوري الحلة . فضلاً عن حسن محمد علي شنطوط عرفت الحلة مصوراً آخر هو السيد ( كمال ) وثالثاً يُدعى ( سلمان ) كان محله مجاوراً لمحل صديقي حسن .










#4



14-02-2010, 09:02 PM


احمد الباقر




رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


أوضاع مدينة الحلة الثقافية




1942 ـ 1962


مدارس الحلة الإبتدائية


قامت في الحلة مع بدايات خمسينيات القرن الماضي مدارس إبتدائية ليست بالكثيرة ولم تستطع منافسة أخواتها الثلاث القديمات المخضرمات ( الغربية والشرقية والفيحاء ) ، الأولى والثانية في جانب المدينة الكبير والأخرى ، الفيحاء ، في الجانب ( الصوب ) الصغير المكوّن من ثلاث محلات أو مناطق هي الوردية وكريطعة والكلج . قد يفهم المرء معنى أو إشتقاق أصل كلمة ( وردية ) ولكنَّ الأمر ليس كذلك مع الأخريين : كريطعة والكلج . لعلَّ مدرسة الفرات الإبتدائية للبنين هي التي شغلت الموقع الرابع في تسلسل المدارس الإبتدائية من حيث زمن التأسيس . تم َّ تشييدها على أرض واقعة في أطراف محلة الجامعين إلى الغرب من سجن الحلة مقابل بساتين عامرة بالنخيل تلاشت تدريجاً لتحل محلها بيوت [ الإسكان ] ومعمل تعبئة مشروب الكوكا كولا .أول من أدار هذه المدرسة هو المربي القدير الأستاذ محمود شكر أبو خمرة ( ابو لؤي ) وظل مديرها حتى زمن إحالته على التقاعد . لم تبلغ شهرة باقي المدارس الأقدم منها من حيث النشاطات الطلابية الرياضية والفنية والسفرات والحفلات الموسمية رغم قوة شخصية مديرها ونقاوة سمعته وسمعة عائلته المرموقة من آل خمرة في الحلة . لكنه أسس علاقة شخصية متينة جداً مع مدير المدرسة الشرقية الأستاذ محسن ياسين . لكأنه شكّلَ { حلفاً } ثنائياً يضم مدرستي الفرات والشرقية مقابل الثنائي الآخر : مدرسة الفيحاء والغربية . بالطبع لعبت وتظل تلعب العلاقات الشخصية بين مدراء المدارس أدواراً محسوسة في رسم مصائر هذه المدارس ولا سيما تلامذتها الصغار فضلاً عن علاقات ذوي التلاميذ بمن يدير هذه المدارس بالدرجة الأولى ثم بالكادر التعليمي وجلّه من أهل الحلة . أعرف الكثير عن شؤون هذه المدرسة لأنها كانت تجاور داراً سكناها هناك ردحاً غير قصير من الزمن.


قامت بعد مدرسة الفرات الإبتدائية للبنين على ما أحسب مدرسة ( صفي الدين الحلي ) في منطقة تقع في وسط محلتين ( أو أكثر ) من محلات الحلة المعروفة هي : محلة التعيس والأكراد . لا أعرف من كان مدير هذه المدرسة ولم تبرز أو تنافس أو تتنافس مع بقية المدارس لا في مستويات ونوعيات مَن تخرج فيها من تلاميذ ولا من حيث النشاطات الإجتماعية أو الفنية أو سواهما من أوجه النشاط المدرسي المعروفة . قامت بالطبع مدارس أخرى خاصة بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ليس في وسعي تحديد أسمائها أو مواقعها ولعل أهل الحلة الكرام يعالجون هذا الأمر ويتممون معلوماتي ويصححون ما يرونه مخطوءاً منها .


أما مدارس البنات فمعلوماتي جدَّ قاصرة بشأنها سوى أنَّ متوسطة الحلة للبنات توسعت فغدت متوسطة وثانوية في نفس الوقت وكانت أكثر مديراتها شهرة الست ( عائشة أو عوّاشة ) فقد بقيت فترةً طويلة ً في إدارتها قبل أن تتحول إلى التفتيش التربوي كما كان يسمى وقتذاك ، حين كان السيد يوسف صالح السامرائي ( من العمارة وعديل أحد وزراء حكومة عبد الكريم قاسم ) مدير َ معارف لواء الحلة .


المكتبات والصحف والأدب والطرب


كانت في الحلة مكتبة عامة صغيرة الحجرات محاطة بحديقة واسعة تقع مقابل نهر الحلة لا يفصلها عنه سوى حديقة النساء . وكانت ثانوية الحلة للبنين على مبعدة بضعة أمتار عنها . أدار هذه المكتبة لسنين طويلة السيد ( ثم الأستاذ الدكتور ) باقر السيد محمد سماكة . كان يرتدي الزي العربي [ وليس الإفرنجي ] مع كوفية بيضاء وعقال دقيق رفيع أسود اللون . ما كان يرتادها في أربعينيات ولا في بدايات خمسينيات القرن الماضي إلا القلة من المدرسين وبعض طلبة الثانوية وإني أتذكر جيداً أنَّ من أبرز روادها كان أستاذنا الفاضل عبد الرزاق عبد الكريم الماشطة . كان يحثناً دوماً على إرتياد هذه المكتبة وقراءة ما فيها من كتب وصحف يومية ومجلات أدبية وسواها مما له علاقة بمقرراتنا المدرسية وقتما كنا طلاباً في متوسطة الحلة للبنين . قضّى الأستاذ الماشطة حياته التدريسية في هذه المدرسة المتوسطة حتى أحال نفسه على التقاعد ربما بسبب ما كان به من مرض السكري الذي كان وقتذاك مستعصياً . كان صعباً عليه المكوث في الحصة التدريسية لأكثر من الزمن المقرر لها ( 45 دقيقة ) إذ كان المرحوم ينتظرلدى باب الصف بفارغ الصبر ضربة جرس قدوم الفرصة ليسارع إلى دورة المياه .


منذ أربعينيات القرن الماضي ، تجمعت قرب بعض ثلاث مكتبات شهيرة وقديمة في مدينة الحلة تبيع الكتب والصحف والمجلات وقرطاسية المدارس وتمارس تجليد الكتب وتحميض وطبع الأفلام الفوتوغرافية بل وكانت في إحداها ( المكتبة العصرية لصاحبها عبد الصاحب ) مطبعة لطباعة المنشورات وإعلانات الدعاوة وربما بعض الكتب . تجاور العصرية مكتبة الفيحاء وصاحبها من آل علوش يساعده شقيقه عبد الأمير( أمّوري ) ، ومقابل مكتبة الفيحاء كانت المكتبة العصرية لصاحبها ( مهدي السعيد أبي صلاح وصباح ) . كانت هذه المكتبات تقع جميعاً وسط مركز مدينة الحلة على الشارع الرئيس الذي يبدأ من الساحة الدائرية المقابلة لمركز شرطة الحلة وينتهي في باب المشهد ليس بعيداً عن سجن الحلة والمستشفى الجمهوري الذي أسس فيما بعد وإسمه يدل على زمان تأسيسه.


إفتتح بعد ذلك السيد ( جليل الناصر ) مكتبة رابعة ( مكتبة الرشاد ؟؟ ) تقع على نفس الشارع ليست ببعيدة عن المكتبات الثلاث الأخريات مقابل عقارات يملكها المقاول العريق السيد ( توما ، أبو لطيف وجولييت ) حيث داره الكبيرة يجاورها محل كان كراج َ توقف وحركة السيارات بين الحلة وبغداد ثم تحول إلى مقهى شهير بإسم ( مقهى سومر ) يقدم فضلاً عن المشروبات التقليدية البقلاوة ويبيع الهريسة شتاءً بفضل إبداعات جبار ، الإبن الأكبر لصاحب المقهى السيد ( عبود العجمي ) . ثم كان ( هذا الجبار ) يتنقل صيفاً بين الأزقة والدرابين يدفع عربةً محملة ً بقوالب الثلج ليوزعها على أصحاب الدور بالقياس الذي يرغبون : ربع قالب لهذا البيت ... نصف قالب لصاحب هذا البيت ... قالب كامل لبيت آخر . كان يعرف عن ظهر قلب حاجات سكان هذه الدور ولا يتقاضى أثمان قوالب ثلجه إلا في آخر الشهر أو بداية الشهر التالي مراعياً ظروف الناس المالية . إستقل َّ صديقنا ( جبار ) هذا عن باقي ذويه في الحلة ليؤسس مصلحة مستقلة له في بغداد في بداية شارع أبي نؤاس على نهر دجلة تحمل إسم [[ جبّار أبو الشربت ]] سرعان ما حققت نجاحات قياسية في جماهيرية أو شعبية ما يبيع جبار من نوع خاص به من شرابت الصيف وبمواصفات خاصة غير مسبوقة : شربت عصير الرمان ذي اللون الوردي الجميل الهادئ الغارق في جريش الثلج حتى حافات الكؤوس . رجل ناجح جداً ذكي جداً وعملي جداً جداً فإشتهر في بغداد إسمه التجاري وصار يعرضه للبيع مقابل عمولات معينة. تفتخر الحلة بأمثالك يا صديق جبّار .


لم تحقق مكتبة السيد ( جليل الناصر مكتبة الرشاد ) ما حققت باقي المكتبات من شهرة ٍ وسعة ِ مبيعات ٍ وشعبية ٍ . هل للموقع من تأثير ؟ أم لشخصية أصحاب المكتبات ؟ كانت المكتبة العصرية تبيع حتى مجلات أجنبية إنجليزية أو أمريكية . أتذكر حادثاً طريفاً وقع في الحلة زمان الحكم الملكي رواه لي صديق ٌ محام ٍ كان سياسياً محسوباً على اليسار الدمقراطي . باعت مكتبة الفيحاء لوحدها عدة نسخ من كتاب لكاتب سياسي مصري إسمه ( خالد محمد خالد / من العلماء ) ، إسم الكتاب [[ هذا ... أو الطوفان ]] . إنتبهت شرطة الحلة أو إستلمت عاجلاً أوامر من بغداد تقضي بمنع تداول هذا الكتاب . بلغت الأمر لأصحاب المكتبات طالبةً منهم سحب الكتاب من الذين إبتاعوه إنْ كانوا يعرفونهم أو يتذكرونهم أو أنهم سجلوا أسماءهم في سجل المبتاعين بالنسيئة ( الدفع المؤجل حتى بداية الشهر القادم : البيع فقداً أو بيع الدَيْن ) . أخبرني صديقي المحامي بعد الحادث بأعوام وأعوام بما حدث وكيف أن صاحب المكتبة أغفل ذكر إسمه للشرطة كأحد مبتاعي الكتاب لأنه يمت له بصلة قرابة متينة . ذكر لي صديقي هذه التفصيلات ساعة أن أعارني هذا الكتاب الممنوع لكي أتحفظ عليه وعلى إسم صاحبه لأننا كنا ما زلنا نحيا زمن العهد الملكي وكان ما زال قرار منع بيع وتداول هذا الكتاب ساري المفعول !!


فتح في العام 1957 / 1958 السيد ( كريم إبراهيم المطيري ) مكتبة جديدة خامسة على نفس الشارع الرئيس ليست بعيدة عن بناية متوسطة الحلة للبنين لكنها مرّت وصاحبها بظروف صعبة حرجة بعد ثورة تموز لكون صاحبها معروفاً بإنتمائه لصفوف حزب البعث العربي الإشتراكي بل ومن أوائل المنتمين إليه . كما أُفتتحت عام 1958 / 1959 مكتبة


( إتحاد الشعب ) مقابل المدرسة المتوسطة تماماً وبجوار محل الخياط السيد ( جواد الخياط / أبو حميد ، معتمد الحزب الوطني الدمقراطي ، حزب كامل الجادرجي ) كانت مختصة أساساً ببيع جريدة طريق الشعب والكتب الماركسية . أدار هذه المكتبة السيد ( طالب كجوة ) . كما إفتتح السيد ( ضياء العطار ) ربما في نفس الفترة هذه مكتبةً كبيرة مقابل معمل ( محمد الناصر / أبو أنور ومحمود ) لتعبئة المشروبات الغازية . لم تعمِّر هذه ولا التي سبقتها طويلاً فأغلق ضياء مكتبته ثم أمر قائد الفرقة الأولى بإغلاق مكتبات إتحاد الشعب جميعاً في وسط وجنوب العراق أيام حكم عبد الكريم قاسم .


عدا ما يقرأ طلبة المدارس في صباح نهارات الخميس من أناشيد وطنية وما يقدم بعض طلبة المدرسة الثانوية من قراءات أدبية محدودة العدد ومتواضعة النوعية ... لم تشهد الحلة نشاطات ثقافية كبيرة على نطاق واسع سواء في المكتبة العامة أو المدارس أو الساحات . علماً أنْ كان في الحلة شعراء جيدو النظم على ما أحسب من بينهم السيد (( محمد الرشادي )) والبعض من عائلة الفلوجي ثم الشعر السياسي ـ الإجتماعي الساخر للمرحوم المحامي رؤوف الجبوري الذي كان شائعاً في أوساط مثقفي الحلة وكان أستاذنا المرحوم عبد الرزاق الماشطة يحفظ الكثير من أشعار رؤوف الجبوري . صدرت في أربعينيات القرن الماضي في الحلة بعض الصحف والمجلات لكنها ما كانت واسعة الإنتشار ، ثم إنها كانت سرعان ما تغلق بعد إفتتاحها لأسباب سياسية . أذكر صحيقة ( صوت الفرات ) الأسبوعية التي صدرت بعد ثورة تموز 1958 ثم توقفت في خريف عام 1959 وكان يدير ويرأس تحريرها المرحوم النجفي ( حسن عوينة ) الذي قتله إنقلابيو شباط 1963 تحت التعذيب في قصر النهاية . كانت في ثلاثينيات القرن الماضي مجلة أو جريدة دورية تولى إصدارها المؤرخ المعروف السيد ( عبد الرزاق الحسني ) حين كان موظفاً في الحلة لم تستمر طويلاً كما سمعت عنها وقرأت ُ . لا أعرف شيئاً عن ثلاثينيات ذلك القرن ، لست من جيلها .


في الحلة عدد كبير من شعراء اللغة الدارجة الذين يحفظون أشعارهم ولكنهم لايكتبونها لأنَّ جلّهم لا يقرأون ولا يكتبون ... عدا بعض الإستثناءات إذ ْ يحضرني إسم السيد ( صاحب عبيد / أبو عدي ) قارئ تعازي الحسين المعروف في الحلة بجميل صوته المؤثر وطيب أخلاقه . طبع أبو عدي أواسط أربعينيات القرن الماضي ديوان أشعاره باللهجة الدارجة تحت عنوان ( بابليات ) على ما أظن ... وشهُرت من بين هذه الأشعار قصيدة سرعان ما تحولت بفضله إلى أغنية سرت في الحلة وأقضيتها ونواحيها سريان النار في الهشيم . إنها قصيدة وأغنية { يا عزيز الروح يا بعد عيني // شنهو ذنبي وياك ما تحاكيني }. الطريف والشئ بالشئ يُذكر أن السيد صاحب عبيد كان الصديق الصدوق للشاعر محمد الرشادي وما كانا يفترقان أبداً إنْ كانت المناسبة ( قراية حسينية ) أو مناسبة عرس أو طهور ( ختان ) . هناك أشعار الحزن والسواد وهنا الغناء والطرب وكؤوس العرق والمأكولات الشهية حتى مطلع الفجر . كان ذلك خلال أربعينيات القرن العشرين ولكنَّ ثورة تموز 1958 بدلت الكثير من عادات الحليين وأنماط حيواتهم فإختفى محمد الرشادي ولم أعد أراه في مقاهي الحلة المعروفة . فمَن أثرَّ فيمن وعلى مَن شعراً وفناً وغناءً ؟ لم يتأخر كثيراً المطرب الحلاوي سعدي الحلي عن بقية المطربين إذ غنى أغنية يا عزيز الروح بعد أنْ غناها سواه من المطربين وهو أولى الجميع بها لأنَّ صاحب كلماتها ومبدع لحنها الشجي الحلي صاحب عبيد خل ونديم الشاعر محمد الرشادي . كان محمد الرشادي يقدس أبا العلاء المعري ويعتبره في الشعر والفكر مثله الأعلى وكان شديد الفخار بنفسه أنه لم يطأطئ رأساً لأثرياء الحلة من أمثال آل مرجان فلم يتقرب منهم ولم يحضر مجالسهم الليلية المعروفة ولم يمدح ولم ينظم فيهم شعراً رغم ضيق ذات يده وشحة مصادر رزقه . لا أعرف إنْ كان للرشادي ديوان شعر مطبوع


__________________








احمد الباقرمشاهدة ملفه الشخصيالبحث عن المشاركات التي كتبها احمد الباقر







#5



14-02-2010, 09:03 PM


احمد الباقر


شخصيات مهمه







رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


مدينة الحلة في الذاكرة (٢)




1948 ـ 1954 مرحلتا المتوسطة والإعدادية



ما كانت في مدينة الحلة يومذاك إلا مدرسة إعدادية ( ثانوية ) واحدة تقع على ضفة نهر الفرات مقابل نادي الضباط العسكري . لكنْ كانت فيها مدرستا متوسطة إحداهما ملحقة بالثانوية والأخرى هي المتوسطة القديمة العريقة التي أتممتُ دراستي المتوسطة فيها إلا قليلاً . موقع هذه المتوسطة قريب من المدرسة الشرقية في وسط المدينة تحاذي نهر الفرات وتقع على الشارع الرئيس الذي يربط مركز المدينة بمنطقة باب المشهد وحديقة الجبل وموقف السيارات المتجهة للنجف والديوانية جنوباً . تقابلها دار للسينما لا أتذكر إسمها . كان مديرها السيد عبد المجيد الفلوجي وكان من أبرز مدرسيها المرحوم ناظم شوقي [ مدرس العلوم والأحياء والكيمياء والصحة ] وجمال عبد الرزاق [ مدرس الفيزياء والهندسة المستوية ] وعبد الرزاق الماشطة [ مدرس الجبر والرياضيات ] . كما ساهم في تدريسنا مدرسان مصريان هما سعد درويش والثاني (( محمد فهمي ؟؟ )) ... درّسا اللغة الإنجليزية . كان المدرس الثاني مقامراً يميل لتوثيق علاقات خاصة عن طريق القمار مع بعض ضباط الجيش العراقي وكان يمارسه معهم في النادي العسكري . أما الثاني فكان لئيماً مسموماً شديد القسوة على الطلاب الصغار سريع الإنفعال يعشق صفع طلبته دون أن يعطيهم فرصة للإعتذار أو توضيح المواقف . غادر الأول بعد عامين من الخدمة وبقي الثاني لفترة طويلة ... طابت له الحلة الفيحاء . كان شديد الأناقة لا يرتدي إلا فاخر الملبوسات . إستأجر بيتاً قريباً من المدرسة المتوسطة وجهزه بأثاث جيد ، الأمر الذي لا يفعله سواه من المدرسين الضيوف . أما اللغة العربية والأدب العربي فلقد قام بتدريسهما مدرس فلسطيني قدير ضليع من اللغة والأدب لا يُشق له غبار . رشحت معلومات يومذاك أن هذا المدرس العلامة على خلاف مع مدير المدرسة السيد عبد المجيد الفلوجي ولا أحد يعرف سبب ذاك الخلاف . أثناء ذلك كان الغريب المسكين يكثر من ترديد بعض أشعار المتنبي بل وكان يكتب بعضها على السبورة من قبيل :


مَنْ يهنْ يسهل الهوانُ عليهِ



ما لجُرحٍ بميّت ٍ إيلامُ


وإحتمالُ الأذى ورؤيةُ جانيهِ


غذاءٌ تذوى به الأجسامُ


ذل َّ مَن يغبطَ الذليلَ بعيش ٍ


رُبَّ عيش ٍ أخفّ ُمنه الحِمامُ





فحوى هذه الأبيات تفصح بوضوح عن عمق معاناة الرجل في غربته وتشرده عن وطنه فلسطين بعد قرار التقسيم . إسم هذا الأستاذ الجليل


(( محمد سليم رشدان )) ... سلامٌ عليك يا أستاذ يومَ ولدت ويومَ تموتُ ويومَ تُبعثُ حيا . إلتحق بهيئة التدريس في السنة الثالثة ( 1950 / 1951 ) الأستاذ حسين هاتف حبانة مدرساً للتأريخ في حين كان الأستاذ المصلاوي أحمد زين العابدين مدرساً لمادة الجغرافية . في السنة الأولى قام بتدريسنا مادة الجغرافيا الأستاذ البغدادي شوكت محمد علي (( تزوجَ فتاة حلاوية من آل القيم لعلها شقيقة الصديق عزيز القيّم )) ودرسنا اللغة العربية الأستاذ أحمد حسن الرحيّم .


وضع الطلبة في المتوسطة



ما كانت علاقة الطلبة بالمدير السيد الفلوجي علاقة حميمة أبداً ... كان صارماً شديدا ً حتى مع المدرسين ولا سيما العرب منهم . كانت علاقاته متوترة مع المصري سعد درويش ثم الفلسطيني محمد سليم رشدان . كشف المدرس ( سعد درويش ) لطلبته سبب ذاك التوتر : كان يطلب كرسياً يجلس عليه في ساعة الدرس وكان المدير يرفض هذا الطلب مدعياً أنَّ الجلوس أثناء ساعة المحاضرة ممنوع رسمياً وحسب تعليمات وزارة التربية يومذاك . كيف رضخ الأستاذ سعد درويش للأمر وكيف كيفه لصالحه بطريقته الخاصة ؟ صار يدخل حجرة الدرس ويطلب فوراً من أحد طلبة الصفوف الأمامية أن يُخلي طاولته ويلتحق بمن يشاء من زملائه فيجلس عليها متحدياً تعليمات مدير المدرسة . تحدى إذا ً المدير وخالف التعليمات وكان قويا ً في موقفه ذاك لعلمه بحاجة مدرستنا الماسة لمدرسي اللغة الإنجليزية . أما مدرس اللغة العربية الأستاذ الفلسطيني الرائع ( محمد سليم رشدان ) فقد أنهى عقده أو أُنهي وغادر العراق بعد خدمة عام واحد فقط . لم نعرف سبب خلافه أو إختلافه مع المدير .


زاد من تعقد علاقة التلاميذ بالمدير حماسه الواضح في الموافقة على فصل بعض الطلبة من المدرسة بسبب نشاطهم السياسي حسب تقارير شرطة الأمن في المدينة . قيل في حينه إنه ما كان ملزماً بتنفيذ قرارات الشرطة بالفصل وكان في مقدوره المقاومة والدفاع عن طلبته فإنهم أولاده أو في مقام أولاده وإنهم أمانة في عنقه . هذا المدير الصارم والشرس مع بعض المدرسين العرب والمعادي للروح الديمقراطية غدا في زمن عبد الكريم قاسم (( قومياً )) متطرفاً وساهم في التحريض والإعداد لجريمة قتلي ( وأنا أحد طلابه لخمسة أعوام هي سنوات الدراسة المتوسطة والثانوية ) على هامش ومناسبة إنتخابات نقابة المعلمين في مدينة الحلة خاصة ً لدورة العام 1962 .


كان من أبرز الوجوه الطلابية في تلكم الفترة ، فترة الدراسة المتوسطة ، الرياضي ( حساني كاظم الموسوي ) الكربلائي الأصل . كان هو مراقب المدرسة العام يعاونه صديقه الدائم ( كريم عبدان ) وكنا نخاف من الثاني كثيراً لأنه كان مكلفاً من قبل مدير المدرسة بمراقبة وتسجيل أسماء الطلاب الذين يرتادون مقاهيَ بعينها كان أصحابها محسوبين على اليسار.


كنت ذات يوم أجلس رفقة أخي الأكبر مني وبعض زملائه في مقهى تقع في محلة الجامعين على نهر الفرات صاحبها رجل من آل الماشطة ، العائلة الحلاوية المعروفة ، جاءني ( كريم عبدان ) من مقهى مقابل [[ غير مشبوه ، مقهى الشيخ !! ]] ونصحني أن أغادر المقهى ولا أرتادها مستقبلاً . أُغلقت هذه المقهى بعد وقت قصير !! مرت السنين ففوجئت به آواخر عام 1969 يعمل سكرتيراً لوزير الإقتصاد ... ذهبت لهذه الوزارة لإنجاز عملية إدخال سيارة إثر رجوعي للعراق قادماً إليه بعد غياب لأكثر من سبعة أعوام قضيتها بين موسكو وأمريكا . ساعدني الرجل كثيراً وأنجز معاملتي سريعاً ولم يكن الأمر بالهين وقتذاك . تدور السنين فيتحول البشر .


ماذا بعد ؟ هل أذكر أسماء أصدقائي المقربين من بين سائر زملائي في هذه المدرسة المتوسطة ؟ حسناً ، سأفعل ، فأغلبهم على ما أحسب ما زال على قيد الحياة ، وربما ستسرهم هذه الذكريات حيث لم تخطر فكرة تدوينها على بال أي ٍّ منهم وفيها جزء من تأريخ حيواتهم الفتية في تلكم السنين الغابرة التي مضى عليها قرابة الستين عاماً . فمنهم طارق أحمد الكعيد ( الطبيب الحلي فيما بعد ) ، ونعمة محمد العكام ( طبيب ) ، وموفق إقبال الجلبي ( محام ٍ ثم حاكم أو قاض ٍ ) ، ومهلهل حسين ( ضابط ) ، وقيس وأخوه وائل نايف الملا عبود الكرخي ( دبلوماسي وضابط ) ، والثلاثي البعثي فيما بعد : فاهم كامل الصحاف وعبد الأمير محمد أمين وكريم إبراهيم المطيري ، ومحمد علي حسين غزوان ( مدرس ) وأخوه إحسان ( حقوقي ثم نائب محافظ كربلاء في سبعينيات القرن الماضي ) ، وفاهم حسين السرحان ( معلم ثم مهندس خريج بعض معاهد موسكو الهندسية ) ، وصاحب حميد ( مدرس لغة إنجليزية ) ، وخالد عبد الأمير الطائي ( مهندس زراعي ) ، ومرهون حسين ( معلم ) و فاهم كامل ( معلم من محلة الوردية / غير فاهم كامل الصحاف البعثي من محلة جبران ) ، وآخر جاء الحلة مع عمه الموظف لكنه لم يكمل دراسته معنا ورأيته عام 1960 في بغداد جندياً في سلاح الطيران ( كنا نسميه لاعوب الخضر لأنه كان بارعاً في لعبة البنك بونك ... لا أتذكر إسمه) . وزميل آخر ترك الدراسة وإنصرف لمهنة الصياغة وبيع وشراء الذهب أظن أنَّ إسمه رضا حميد . هذه هي غالبية أسماء مجموعتنا في الصف الأول شعبة [ آ ] وبعض منتسبي الشعبة الثانية [ ب ] وقد إنتقلنا جميعاً تقريباً إلى السنة المتوسطة الثانية . إتسمت تلك المرحلة ببعض الطرائف والمفارقات منها المنافسة الشديدة بيني وبين خالد الطائي على مّن يكون مراقب الصف الأول ؟ أجرت إدارة المدرسة أو أحد المدرسين إنتخابات ففاز بها خالد عليَّ بفارق بسيط في الأصوات ، ذاك لآنَّ كثرة من الزملاء جاءت المتوسطة من مدرسة الفيحاء الإبتدائية في الصوب الصغير وكان خالد من بين خريجيها وما كانوا يعرفونني سابقاً . أما في مجالات الدراسة والدرجات الإمتحانية فكانت المنافسة حامية بيني وبين طارق أحمد وكانت تربطني به صداقة متينة بحيث ما كنا لنفترق خلال الفرص بين درس ودرس . إلتحق معنا في السنة الثانية شوقي شوقي ، الشقيق الأصغر للأستاذ ناظم شوقي فتوثقت بيني وبينه أواصر صداقة دامت سنينَ عدداً . كما إلتحق بنا في السنة الثالثة رحيم عبد الأخوّة ( الطبيب من المانيا فيما بعد ) الذي أصبح لي صديق العمر، ثم طالب من أهالي الهندية ( طويريج ) لا أتذكر إسمه كان داهية في الدرس والمطالعة وأكمل دراسته أخيراً متمتعاً ببعثة حكومية لدراسة الهندسة في بريطانيا .


الرسم والتمثيل والرياضة



غادر الحلة معلم الرسم في المدرسة المتوسطة البغدادي الأستاذ بشير الحاج كمال فحل محله الأستاذ الفنان القدير والموهوب سلمان جاسم الحمداني ( أبو صبيح ) . إنتعش في عهده فن الرسم وإنغمر فيه عدد من الطلبة الذين برّزوا فيه ، على رأسهم خزعل الحاج عباس المعروف وكاظم أحمد علوش وقصي أحمد عزام وسعد عبد الأمير الطائي ( شقيق غريمي خالد ) وغيرهم . واصل الأستاذ الحمداني دأبه في إقامة معارض الرسم السنوية وكان ينجز لوحات زيتية رائعة لكنه يؤثر طلابه على نفسه الزكية إذ يعرضها على جدران المعارض تحت أسماء طلابه من الرسامين ... ما أعظمك وما أنبلك سيدي أبا صبيح الحمداني !



كما نشطت الحركة المسرحية والتمثيلية وكان بطلهما دون منازع الطالب صبري مصلح الدين صالح الدراجي . كان بارعاً ممثلاً ومغنياً في عين الوقت . أتذكر جيداً مسرحية وأوبريت ( مجنون ليلى ) من شعر أحمد شوقي . مثل صبري مصلح الدين دور قيس الذي جُن َّ حباً بإبنة عمه ليلى ، ومثلت شقيقته الطفلة ليلى دور عفراء خادم ليلى إبنة عم قيس . بعد المسرحية أنشدت فرقة الغناء والطرب موشحات أندلسية غنى فيها وضرب على الدُف الطالب كريم عبدان مع مجموعة من الطلبة لا أتذكرهم ولا أسماءهم . كما لا أعرف مّن أشرف على غناء وأداء المجموعة ولا أعرف مَن أخرج مسرحية مجنون ليلى .



أما ميدان الرياضة فكان فارسه المُجلي الطالب حساني كاظم الموسوي الذي برع في الكرة الطائرة والسلة وكرة القدم بشكل مذهل حتى غدا مضرب المثل وطبّقت شهرته الآفاق . كان ساحراً في ملاعبة الكرة أكانت سلة ً أو طائرةً او كرة قدم . حتى في هذا المجال ، لم يفارق حساني صديقه الحميم كريم عبدان ... فقد كان يفرضه في ملعب كرة القدم كحارس مرمى رغم ضعفه وخوره في مسك أو صد الكرات المهاجمة .



كان مدرس الرياضة حينذاك الأستاذ زكي راجي الجبوري .



شكلنا ، نحن طلبة السنة الثانية ، فرقة خاصة بنا في مجال الكرة الطائرة كنتُ عضواً فيها وكان قائدنا وموجهنا الرياضي زميلنا موفق إقبال الجلبي يساعده في مهماته الزميل الآخر مهلهل حسين ثم محمد علي حسين غزوان ، البارع في قراءة القرآن تجويداً منذ أعوام الدراسة الإبتدائية في المدرسة الشرقية .



هز َّ الحلة عام 1950 حدث ٌ كبير إذ زارها ربيع هذا العام الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله ، الوصي وولي العهد كما كان يُسمّى وقتذاك . أقاما في نادي الضباط العسكري على نهر الفرات في مدينة الحلة لكنهما كانا يقضيان أغلب أوقاتهما في تلبية دعوات رؤساء أكبر عشائر لواء ( محافظة بابل / الحلة ) من أمثال ( الشيخ عبود الهيمص ) وشيوخ ألبو سلطان كالشيخ ( عبد المحسن الجريان ) صهر وزير المالية الأسبق ( سلمان االبرّاك ، أبو عدنان القتيل غدراً أمام باب داره ) . نظمت له متصرفية اللواء ( المحافظة ) بالتعاون مع وجوه الحلة حفل إستقبال كبير في دار بلدية الحلة . إصطف الأهالي في صفين متوازيين في مدخل دار البلدية للترحيب بالملك الصبي وولي عهده وكنتُ معهم هناك . مرَّ الملك وخاله يسنده ماسكاً ذراعه اليسرى ولفت نظري قصر قامة الملك وشحوب وجهه الوسيم معتمراً ( سدارة سوداء / فيصلية ) . كان يبدو خجولاً وهو يرد على تصفيق المستقبيلن له في مُدخل دار بلدية الحلة رافعاً يده اليمنى وكفه اليمين موازياً رأسه بحركات محسوبة جيداً . أقامت بلدية ومتصرفية اللواء له أقواساً ضخمةً تعترض شوارع المدينة مع عبارات الولاء والترحيب المبالغ بها . لم يبخل مترفو الحلة في مظاهر الترحيب بمليكهم فإرتفع نصب ٌوقوس ٌ هائل أمام المدرسة المتوسطة للبنين ( مديرها الأستاذ القومي عبد المجيد الفلوجي ) كتبوا في واجهته الأمامية بحروف جد َّ كبيرة وبخط أحمر على ما أتذكر ما يلي (( يا إبن الميامين الصيد هيئ لنا عهد َ الرشيد )) !! ... ثم : آل الفلوجي في الحلة . كان عمر الملك يومذاك خمسة عشر عاماً فهو من مواليد الثاني من شهر مايس 1935 .





1952 / 1954



ليس ثمّة َ ما يميز أعوام الدراسة في ثانوية الحلة للبنين سوى إنتفاضة تشرين عام 1952 ومجئ العسكري التركماني الفريق السيد نور الدين محمود رئيساً للوزراء ، أبو دريد / صهر عائلة آل جلال ... المخرج المعروف إبراهيم جلال وشقيقه سعدي جلال الذي تغزّل المحامي الحلي السيد ( رؤوف الجبوري ) به في أشعار تداولها الحليون ردحاً من الزمن [[ إذا إشتقتَ إلى الوردِ فقبّل ْ وجنتي سعدي ]] . في زمن حكم صهره رئيساً للوزراء غدا سعدي جلال قائمقام قضاء الهندية ( طويريج ) فإلتحق بنا طالباً في الصف الخامس العلمي في ثانوية الحلة للبنين شقيقه الأصغر ( منذر جلال ) . كان ( منذر) يباشر دوامه معنا صبيحة كل يوم ٍ قادماً من الهندية بسيارة أخيه الأمريكية الصنع (( بيوك )) . كان طالباً خاملاً لكنه كان مرحاً جداً ولاهياً جداً وإجتماعيا وطريفاً مع باقي زملائه في الصف . تخرج ( منذر جلال ) من الخامس الإعدادي في حزيران عام 1953 !!!! وغادر العراق مباشرة ً إلى النمسا فأقام في العاصمة فيينا . لم يواصل دراسته هناك بل إنصرف إلى الإتجّار بالسجاد الإيراني كما أخبرني فيما بعد البعض من معارفه . علمتُ أخيراً أنه لم يزل ْ هناك مقيماً في فيينا . منذر جلال : هل تتذكرني وكنتَ في ثانوية الحلة للبنين من أقرب زملاء صفي لي وزرتني ذات يوم في بيتنا وتناولنا طعام الغداء معا ً ؟؟



مَن كان مدرسونا في تلكم الحقبة ؟ كان الكثير منهم من أهالي الحلة وأبرزهم : هاشم محسن وعبد الباقي الشوّاي و ناظم شوقي ومدير الثانوية عبد المجيد الفلوجي وجمال عبد الرزاق المحسوب على الحلة . إضطلع بمهمة تدريس اللغة الإنجليزية كل من الأستاذين البغدادي عبد القادر سعيد البيطار ( صديق ومعاصر الشاعر عبد الوهاب البياتي ، ثم صهر المربي الفاضل الأستاذ طه الدلال ، أبي فؤاد وأياد ) والعماري ( من لواء العمارة ) الأستاذ ثم الصديق الفاخر فاخر عبد الرزاق .



خلال فترة رئاسة الوزراء من قبل الفريق نور الدين محمود شاعت في العراق نكتة سياسية بالغة الدلالة والسخرية من نظام العهد الملكي إذ دأبت الحكومة على نشر بيان يومي خلال دار الإذاعة يفصِّل فيه أسعار الفواكه والخضروات في العاصمة بغداد . قرأت إذاعة بغداد ذات يوم برقية تأييد للحكومة ذي صلة بالتسعيرة اليومية مفادها : {{ تسعيركم الشلغم أثلجَ صدورنا }} !! راجت وشاعت وإنتشرت هذه البرقية الساخرة في كافة أنحاء العراق !! كانت الحكومة في وادٍ والشعب العراقي في وادٍ آخر .










#6



14-02-2010, 09:06 PM


احمد الباقر




رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


مواكب عزاء عاشوراء



عاصرتُ هذا التقليد لقرابة العقدين من الزمان ، وكان تقليداً راسخاً تفتخر الحلة وأهلوها به وتحتفل وتجدد طقوسه مرة ً كل عام ولمدة عشرة أيام من الشهر ( المحرَّ م ) الحرام . كان لكل منطقة من مناطق الحلة بجانبيها الكبير والصغير موكبها الخاص وقارئها الخاص ( الرادود ) وبعض التفاصيل الخاصة . كنا نسمّي المنطقة [ طَرَف ] . ففي الجانب ( الصوب ) الصغير ثلاثة أطراف هي الوردية والكلج وكريطعة . وفي الصوب الكبير : الجامعين والطاق وجبران والمهدية والجباويين والكراد والتعيس ... ولست متأكداً هل كان للهيتاويين { من هيت } طرف خاص بهم يحمل إسمهم أسوة ً بالجباويين { من قرية جُبّة } أم لا ؟! كانت تبدأ طلائع مسيرات هذه المواكب قريباً من الجسر الجديد شاقةً طريقها خلال أحد الشوارع الرئيسة في مدينة الحلة . ينتظم أقوياء الرجال والشباب وبعض الصبية في صفين يرتدون ملابس سودا ً لاطمين صدورهم المكشوفة حاملين مصابيح نفطية ( فوانيس ) أو ( برقيات ، جمع برقي / لوكسات ، مفردها لوكس ) وهو مصباح شديد الإضاءة يتوهج داخل فتيلة بيضاء اللون من الحرير الزجاجي المقاوم للحرارة . وكانت الحلة قاطبة ً تقريباً تصطف صفوفا ً صفوفاً على جانبي الشارع وخاصة النساء والأطفال لإعلان التضامن مع محبي الحسين وآل البيت الأمر الذي يزيد من حرارة وحمية اللاطمين صدورهم فتبكي النساء والرجال على حد سواء . تنتهي هذه المواكب في دار السيد ( جعفر القزويني / أبو موسى ) الواقعة في محلة الطاق بعد أن تخترق درابين ضيقة يتزاحم خلالها الجمهور لاطمين ومتضامنين . يقف في تلكم الدار أو يجلس على كرسي عالٍ قارئ أو رادود الطرف يقرأ المقاتل وملاحم معركة الطف في كربلاء ملتزماً بمخطط زمني ـ تأريخي دقيق يُخصص بموجبه لكل قتيل من آل الحسين بن علي بن أبي طالب سقط في كربلاء يوماً معيناً أو ليلة بعينها . فهذا يوم العباس وذاك يوم القاسم الذي كان ذا ميزة وطقس خاص فإنه [[ العريس ]] الذي لم تتم مراسم عرسه ربما على إبنة عمه الحسين فهو القاسم بن الحسن بن علي . تعج المواكب الحسينية في ليلة القاسم بأغصان شجرة الياس والحناء إحتفاءً بعرس القاسم الذي قص َّ الأعداء رأسه في كربلاء عام 61 للهجرة . أتذكر بعض (( ردّات النسوة )) في هذه المناسبة من قبيل : حو يا قاسم يا غنص يا زهوة الحربية // حطيتْ طاسة بطاسة عريس كصوا راسه // حو يا قاسم يا غنص ... كان اليوم العاشر مخصصاً للحسين شهيد طفوف كربلاء الأكبر وكان يوم حزن عميق في أوساط الحليين وغالبيتهم العظمى من الشيعة الجعفرية . وهو يوم كبير تجري طقوسه نهاراً خلافاً للقاعدة المتبعة ويسمى (( الطبُك / أي إنطباق أو جمع الأيام العشرة في يوم واحد هو مسك الختام )) .


سارت أمور وطقوس الأيام العشرة هذه دونما تغييرات جوهرية عداً واحداً يلفت النظر . شرعت المواكب الحسينية بإستخدام مولدات كهربائية خاصة بكل واحد منها لإضاءة طريقها بالأضواء القوية الساطعة المدلاة من حبالها على جانبي صفوف مجموعات اللطم فكانت الشوارع تعج بالضوء وأصداء أصوات ضرب الصدور العارية بالأكف القوية الفتية تضامناً وحزناً على شهداء الإسلام من عترة النبي وأبناء إبنته فاطمة الزهراء . قوة ضرب الصدور تتناسب مع شدة حب اللاطم للحسين وآله .


حادثة أخرى سياسية المغزى والهدف إذ حاولت مجموعة من أعضاء حزب نوري السعيد (( حزب الإتحاد الدستوري )) منافسة خصمهم السيد جعفر القزويني وكسر هيبته الدينية والسياسية فأقدمت على تنفيذ مغامرة هزيلة خرقاء فشلت فشلا ً ذريعاً ولم يكتب لها أي نجاح !! حاولت هذه المجموعة المسيسة وبعض أتباعها وهم قلة أن يسحبوا أهل الحلة وإقناعهم بممارسة بديل < حضاري > بدل ممارسة الطقوس المألوفة المعقدة ... أتخذت من حسينية ( إبن طاووس ) الواقعة في وسط الحلة على الشارع العريض العام المؤدي إلى باب المشهد ... إتخذت هذه الحسينية مقراً لقراءة الفاتحة مع بعض الردات الحسينية لكنَّ المحاولة لم تستمر وماتت في مهدها إذ قاطعتها جماهير الحليين بشكل منقطع النظير وكان في هذه المقاطعة أكثر من مغزى وعِبرة ، كان فيها الدين والسياسة معاً : مقاطعة حزب نوري السعيد وعموم سياساته المعروفة بولائها للمستعمر الإنجليزي يومذاك . لا أتذكر هل كان السيد جعفر القزويني موالياً أو عضواً في حزب السياسي الشيعي السيد صالح جبر (( حزب الأمة الإشتراكي )) المعارض ـ إفتراضاً ـ لنوري السعيد وحزبه الطنان الإسم ؟؟ لا أستبعد ذلك .


من طرائف ومفارقات عشرة عاشوراء : طلب أهل قرية الدولاب ( أو الديلاب ) وهي قرية غير بعيدة عن الحلة على نهر الفرات ... طلبوا أن يُخصص لهم مكان مع المواكب الحلية المعروفة لإستعراض ممثلي القرية من شبابهم وعلى راسهم قارئهم الخاص . إعترض القائمون على تنظيم وتسيير المواكب بأن َّ الدولاب قرية صغيرة وغير مستوفية للشروط . ثم إقترحوا على أهل الدولاب ـ حلاً للمشكل ـ أن ينظموا موكبهم الخاص ولكن ... أن يكون جزءاً من موكب محلة أو طَرَف كريطعة من جانب الحلة الصغير فالدولاب هناك على ذلك الجانب . قبل الدولابيون هذا العرض وإندمجوا في موكب أهل كريطعة ولكن : حينما وصلوا وسط مدينة الحلة صدحوا بأهزوجة أعدوها بشكل جيد فيه ذكاء كبير مع شئ من الإحتجاج العاتب وإقرار بقبول الأمر الواقع الذي فُرض عليهم . أخذزا بعالي اصواتهم يصدحون :


إنما الدولابُ فرعُ للوا



أينما سار اللوا فهو يسيرْ





... اللوا تعني اللواء ، لواء الحلة كما كانت الحلة تسمى وقتذاك .


في اليوم العاشر من شهر محرَّم الحرام [[ الطبك ]] تجهز المواكب والكثير من العوائل أكلة الهريسة في قدور نحاسية ( صفر ) ضخمة في البيوت والشوارع والساحات العامة والحسينيات فداءً للحسين وآله وقرباناً لدمه الطاهر الذي أُستبيح على تراب كربلاء أو كر وبلاء !!



الحلاقون ودكاكين الطب الشعبي




للحلاقة والحلاقين مزايا وإعتبارات إجتماعية كثيرة ، فمهمة الحلاق الأولى هي تزيين وجوه ورؤوس زبائنه أي إظهارهم للملأ بأفضل وأجمل حالاتهم . نعم ، (( تزيين )) من الزينة لذا سُمي َّ الحلاق (( مُزيّن )) قبل أن يُسمى (( حلاّق )) من الحلاقة . لم تقتصر في سالف الزمان مهمات ومسؤوليات الحلاقيين أو (( المزاينة )) على تزيين وجوه الناس فقط ، إنما كانت لهم مهمات خطيرة الشأن يزاولونها على نطاق واسع هي من إختصاصات الأطباء لا غيرهم . منها إجراء عمليات ختان (( طهور )) الأطفال وقلع الأسنان المتسوسة والمعطوبة وتخدير مواضع الألم في هذا السن أو ذاك بحشوه بمادة مخدرة شعبية يسمونها (( ترياك )) . يكمِّل مهمات الحلاقين الطبية هذه بضعة أشخاص معروفين في ( الحلة ) يمارسون الطب الشعبي وطب المعالجة بالأعشاب الطبيعية بل ويبيع بعضهم معدن الزئبق السائل ، تبتاعه وتخلطه النساء مع مسحوق الحناء لتعفير شعورهن َّ وأطفالهن للقضاء على الحشرات الضارة التي كانت في قديم الزمان تعشعش في الأجساد وشعر الرؤوس . أتذكر بعض أسماء هذه العقاقير الطبية التي كانت متداولة على نطاق واسع : [ الزريقيون ] وهو مسحوق أصفر اللون يُستخدم لتحصين الأطفال ، ولا سيما الرضّع منهم ، ضد إلتهابات الجلد المتسببة عادة ً عن بول هؤلاء الأطفال في حضائنهم


( جمع حضينة ) وأقمطتهم ( جمع قِماط ) شتاء ً . أظن ُّ أن َّ في هذا المسحوق الأصفر معدن ( الزركونيوم ) نقياً أو مخلوطاً مع غيره من المعادن والأترية ... ومن هنا جاءت تسمية هذا العقار الطبي . ثم [ حب دِبج ْ ] وهو خلطة بلون بني غامق مرنة ليست صُلبة توضع على الجروح والتقيحات لتمتص الخراجات وتشفي الجروح . [ جوزة بوّة ] و [ ورد البابونج ] و [ زعتر هوا ] و [ ورد البنفشة / أحسب أنه ورد البنفسج ]


و [ ورد لسان الثور ] و [ آب نبات ] ... لا أتذكر أوجه منافعها وإستخداماتها ، ثم [ حب الضريّط ] لتيسير خروج الغازات من أمعاء متعاطيه . وهناك عقاقير وأدوية ومستحضرات وبذور نباتات ومشتقات نباتية معروفة الأسماء كثيرة التداول في البيوت الحلية مثل : العفص والجويت ( يضفي اللون الأزرق على الملابس البيض ) وصبغة النيلة وحبة حلوّ ة ودهن الخروع والشفلَّح والحشيشة والترياك والسويكة والبرنوطي وماء الورد وعصير الرمان الحامض وروح الشكر ( السكّر ) والمستكي ولُبانة البستك ( علج بستج ) و سكر النبات والخريّطْ والدارسين والكثير غيرها ....


لا من غرابة إذا ً إذا ما رأينا دكاكين هؤلاء < الأطباء الشعبيين > تجاور محلات بعض الحلاقين ... الواحد يكمل مهمات الآخر . من بين أشهر هؤلاء الأطباء الشعبيين رجل يُسمى {{ حسن الجمل }} كان يدير ( عيادته / دكانه ) في زقاق ضيق مسقوف يتجمع فيه حرفيون عديدون يمارسون حرفهم اليومية متجاورين في دكاكينهم الصغيرة ... فمنهم النجار وفيهم الحداد وآخر يمارس صنعة (( تبييض )) قدور النحاس ( الِصفر ) ورابع يحمل جهازا ً بسيطاً لحد السكاكين والمقصات يتطاير شرر النار من عجلته الدوارة خلال إجرائه عميلة تسنين حافات هذه الأدوات . كما كان في هذا السوق نفسه وقريباً جداً من محل السيد حسن الجمل حلاق ربما هو ( هاتف ) قبل أن ينتقل إلى الشارع العام الرئيس مقابل عقار السيد ( توما ) ومقهى سومر تحت فندق البرلمان . كما كان في هذا الزقاق الضيق خان كبير و ( مكبس / مسبج ) لصناعة الدبس والحلاوة الشكرلي و حلاوة الدبس الذهبية اللون ثم لتجهيز صفائح معدن الزنك ( تنكات ) لتعبئتها بمادة الدهن الحيواني / الدهن الحر ... يلقّب أصحاب هذا المكبس / المسبج ب عائلة (( صبّاغ المطيّة )) . لا أعرف سبب وأصل هذه التسمية ولا أحسب أن غيري يعرف ذلك من أجيال زمان أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي .


الحلاق ما شاء الله الحاج هادي


أعود ثانيةً لأكثر حلاقي مدينة الحلة شهرة ً فيبرز أمامي صالون حلاقة


( ما شاء الله ) الواقع على شارع يوازي نهر الفرات مقابل الجسر الضيق القديم الذي يربط جانبي الحلة ببعضهما . ربما كان هذا أكبر صالون حلاقة في الحلة فضلاً عن نظافته وجودة أثاثه وبراعة السيد ما شاء الله


( أبو منذر ) في حلاقة الرؤوس فكان حلاقاً ماهراً ذا ذوق عالٍ في إختيار القصّات التي تناسب رؤوس زبائنه وأشكال وجوههم لذا كان أغلب زبائنه من المثقفين والموظفين وطلاب المدارس ومن هؤلاء على ما يبدو لي تعلم أن ينحاز إلى اليسار السياسي دون حزبية وإنتماء حزبي . كانت علاقتي بهذا الحلاق متينة بسبب قرابتنا ... فهو عم أولاد وبنات شقيقتي الكبرى وكنت وأخي المرحوم جليل من زبائنه الدائمين . الطريف أنه ولفترة طويلة كان يحلق رأسي دون مقابل حسب تعليمات أخي جليل . عرفت السر بعد عقود من السنين إذ أكملت دراستي في الكلية وغدوتُ مدرساً على الملاك الثانوي لكني واصلت دأبي القديم إياه : يحلق شعر رأسي ... ينظف ملابسي مما تراكم عليها من الشعر ... يقول لي نعيماً فأقول له شكراً ... مع السلامة ويسكت الرجل . حتى كان يوم ... زرت محله لحلاقة شعر رأسي ، جلست منتظراً كغيري حتى جاء دوري . أتم قريبي مهمته على أحسن وجه ... وحين قلتُ له شكراً فاجأني بأمر جديد عليَّ : إبتسم بحياء ثم قال بصوت جدَّ خفيض : كنتُ لعقود من السنين وحسب أوامر أخيك جليل أحلق رأسك دون مقابل ... أخاف من لسانه ... أما الآن فإنك غدوتَ مثله موظفاً ولك راتب ومدخول . مفاجأة حقيقية . كنت أحسب أن أخي جليل كان ما زال يدفع عني وعنه كما عودني في سالف الزمان . وضعت في كفه ديناراً كاملاً من دنانير ذاك الزمان فقبّله ووضعه على جبينه وقال لا تقطع رجلك عنّا أي واصل حلاقة رأسك معي في صالوني.


هذا الرجل العصامي الأنيق النزيه حكمت عليه سلطات صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي بالسجن ثلاثة أعوام ومصادرة صالون حلاقته ودار سكنه الخاص به والتي لا يملك سواها في الدنيا . كل الرحمة لك يا أبا منذر الرجل العفيف المكافح المظلوم .


الحلاق إبراهيم المطيري


ومن قدماء حلاقي الحلة أبو خليل وكريم المرحوم إبراهيم المطيري . شغل دكانه الصغير ركناً في شارع فرعي ليس بعيداً عن نهر الفرات . وكان أحد إخوته يساعده في إدارة محله . يقابله محل لبيع دهون السيارات يديره المرحوم حميد علوش والد الطبيب البعثي الدكتور صادق ثم الطبيب عبد الأمير ( أمّوري ) . يجاور هذا المحل دكان للسيد حسن المطيري لبيع السجائر والشخاط والتبغ والسكر والشاي وغير ذلك . وكان في هذا الشارع مطعم نظيف مرتب لصاحبه ( أبو فؤاد ، عيسى ) يجاوره حلاق إسمه حمزة وبجوار هذا الحلاق كان محل المرحوم عبد الإئمة سعيد والد صديقنا الأستاذ مؤيد وأخيه الشاعر والإعلامي خالد الحلي . ما كان الحلاق حمزة معروفاً على نطاق الحلة إلا بعد أنْ أطلق على أحد زبائنه من الطلاب كنية [[ معيدي لندن ]] . رافقت هذه الكنية زميلنا هذا حتى بعد تخرجه من جامعة بغداد ولا أعرف دواعي أطلاق هذه الكنية على الزميل الذي غدا بعد كر الأعوام صديقاً .


عود ٌ على الحلاق إبراهيم المطيري . كان محله ملتقى رئيساً للكثير من موظفي الحلة الوافدين عليها من ألوية ( محافظات ) أخرى وفيهم بعض مفوظي ومعاوني ( ضباط ) الشرطة . لعل أحد أسباب هذه الظاهرة أنَّ في هذا الصالون الصغير جهاز تلفون يستعمله هؤلاء الموظفون الغرباء للإتصال بذويهم في المدن الأخرى . كنت ذات يوم جالساً في هذا المحل فوردت مكالمة تلفونية من مأمور مركز شرطة ناحية الكفل يطلب فيها من صديقه صاحب المحل إرسال كمية من البطاطا فأمّن له على عجل ما أراد. كان المرحوم المطيري صديقاً لوالدي صداقة قديمة جداً . ثمة من سبب آخر لظاهرة تجمع الموظفين وبعض الأفندية في هذا الصالون . كان البعض من هؤلاء يأتي المحل وفي جيبه قنينة عرق يبتاعه من محلات لبيعه قريبة يديرها يهود أكثرهم شهرة ( حسقيل ) ... يفتح قنينته في مكان صغير خاص يقع خلف مرآة الحلاقة الكبيرة ثم يطلب ( ماعون كباب أو تكة أو كص أو رز وفاصولياء جافة ) من مطعم عيسى المجاور . لعل إبراهيم المطيري هو الحلاق الوحيد الذي كان يمارس مهنته مرتدياً ملابس عراقية شعبية : دشداشة وسترة وعلى رأسه كوفية ( يشماغ ) وعقال ، أما الباقون فكانوا ( أفندية ) . المرحوم إبراهيم المطيري هو والد الصديق وزميل الدراستين المتوسطة والثانوية البعثي المعروف كريم المطيري الذي ناله ما ناله من أذى من قبل صدام حسين وزمرته الدموية في صيف عام 1973 على هامش مغامرة ناظم كزار الطائشة .


جاسم الحلاق / حلاق إشبيلية


من مشاهير حلاقي الحلة ... وكانت شهرته في أناقة ملبسه ومظهره والإسراف في نظافة صالونه والرصيف المقابل له . ثم السدارة على صلعته صيفاً وشتاءً . لذا أطلق عليه شباب الحلة وطلابها كنية (( حلاق إشبيلية / السمفونية المعروفة )) . يقع محله على الشارع العام في وسط المدينة مقابل عقارات ( توما أبو لطيف ) وتحت فندق البرلمان . كان صالون جاسم الحلاق كذلك ملتقى الموظفين الذين كانوا يتجمعون هناك لا للحلاقة حسبُ ، إنما لإستعراض فتيات الحلة وهنَّ يخطرن بعباءاتهن َّ السود الطويلة التي تخط على أسفلت الشارع ثم لتناول الشاي أو بعض المرطبات التي يدفع أثمانها هؤلاء الضيوف وليس الحلاق ويناله ما ينالهم ومما يطلبون . دخل جاسم الحلاق السجن بسبب قضية ملتبسة وبعد أنْ قضّى العقوبة فتح محلاً له في بغداد في شارع يتفرع من ساحة حافظ القاضي وسط العاصمة . شغل الحلاق هاتف صالون جاسم بعده وغدا حلاقي المفضل كما سيأتي أمر ذلك في حينه .


الأخوان جاسم ( أبو صباح ) وبرهي الأعضب


محل آخر عريق نظيف أنيق يديره الشقيقان جاسم وبرهي . كان برهي فاقد الذراع الأيمن لكنه رغم ذلك كان حلاقاً حاذقاً دقيقاً يحسده على مهارته الكثير من الحلاقين بذراعين تامتين . وكما هو متوقع ، كان هذا الصالون مكاناً لتجمع الأفندية والنخبة من أهل الحلة لأنه هو الآخر يقع على الشارع العام ، شارع المكتبات ، أي إنه موقع ستراتيجي ممتاز لمراقبة النساء جيئة ً وذهاباً وخاصة في موسم الصيف حيث تكثر طلعات النسوة للتسوق أو التمشي في شارع حديقة النساء المحاذية للنهر أو التسيارات ومناسبات ( القبول ) النسائية أي إستقبال النساء للنساء في دورهن َّ دون الرجال . جاء الحلة زمن عبد الكريم قاسم مدرس كردي مبعد من السليمانية ... قرر يوماً أن يحلق شعر رأسه فدخل في صالون أبي صباح الأنيق اللماع . كان أبو صباح مشغولاً بحلاقة رأس زبون آخر فتناوله أخوه برهي ... أكمل حلاقته على أحسن ما يرام . سأله بعض زملائه من أعضاء الهيئة التدريسية : كاكا آزاد ! أين حلقتَ ؟ أجاب : كاكا والله عند الحلاق برهي الأعرج !! ما كان المسكين يفرق بين الأعضب فاقد الذراع والأعرج الذي في أحد ساقيه عطب .


الحلاق هاتف


قلت قبل قليل إنَّ الحلاق هاتف شغل صالون الحلاق جاسم الذي حوكم وعوقب ثم إنتقل إلى بغداد . ظل هذا الصالون كما كان في عهد جاسم ، أنيقاً نظيفا ً يرتاده الموظفون والمدرسون والطلاب ويجلس قبالته على الرصيف طوال النهار صباغ أحذية إسمه عبد الله . عبد الله هذا من بقايا أو مخلفات الحلاق جاسم إذ عاصره ولم يفارقه لكأنه كان مخصصاً لصبغ وتنظيف وتلميع أحذية زبائن هذا الصالون . كان هو الآخر نظيفاً أنيقاً يعتني بملبسه ونظافة صندوقه والإهتمام بتلميعه بين آونة وأخرى . وكان يجيد الكلام بلغة دبلوماسية متميزة كسفير . ما كنت أصبغ حذائي إلا لديه لهذه الأسباب ثم لقدرته على التنكيت والسخرية وسرعة البديهة حتى إني بعد أن غادرت العراق للدراسة كنت حريصاً على أن أبعث له مع رسائلي للأهل تحياتي وسلامي وأشواقي له ولطريقته في تلميع حذائي وإخلاصه في أداء مهنته بشرف وما كان يعرف الغش ... شأن الكثير من صباغي الأحذية ولا سيما أولئك الذين جاءوا الحلة من إيران زمان الشاه . الغريب أن هزلاء جميعاً إختفوا بسرعة بعد ثورة تموز 1958 ولم يعثر أحدٌ لهم على أثر !! إلا عبد الله ... لم يختفِ وبقيت زبونه الدائم .


إنتقلت إذا ً من صالون قريبي ما شاء الله الحاج هادي إلى صالون الحلاق هاتف الذي أعجبتني أخلاقه وقلة كلامه وأدبه الجم ثم نظافة صالونه . وكان مهندسا ً بارعاً في حلاقة شعر رأسي الذي أعجز الحلاقين قبله في بغداد والحلة . كان شعر رأسي كثيفاً متعرجاً متموجا ً تستحيل السيطرة على طياته و ( لفلفاته ) إذ كلما قص الحلاق شيئاً منها لتسويته مع محيطه برزت ( لفة ) جديدة مكانها وظهر تموج آخر ... إلا الحلاق هاتف . لا أدري كيف ، لكنه سيطر على طبع شعر رأسي وضبط تعرجاته وتموجاته فكنت أجازيه على إنجازه المتميز خير جزاء وتعمقت علاقتي به فكنتُ أزوره أحياناً وأمكث قليلاً في محله لمجرد السلام والإطمئنان على أحواله.


الحلاق خضير ( أبو هاشم )


ليس بعيداً عن صالون حلاقة هاتف على الجهة المقابلة من الشارع العام ، كان صالون أبي هاشم خضير الحلاق ... محل كبير نظيف يعاونه في الحلاقة شقيقان لا أعرف درجة قرباهما من خضير . لعل هذا المحل هو المحل الوحيد في الحلة الذي يديره ثلاثة حلاقين . أما هاشم فهو صديق وزميل دراستي في المتوسطة والثانوية . خضير الحلاق هذا هو صهر الحلاق إبراهيم المطيري المار ذكره .


الطريف هو مواقع هذه الصالونات ... كانت جميعها قريبة من بعضها بحيث لا يفصل أحدها عن الآخر إلا بضعة أمتار ... تحتل قلب مركز مدينة الحلة ما بين الجسر القديم ومتوسطة الحلة للبنين .


الحلاق غني محمود


غني محمود ليس من قدماء حلاقي الحلة ، ثم إنه كان حلاقاً شعبياً وليس حلاق ( أفندية ومثقفين ) . يقع دكانه الصغير في وسط شارع الجبل في منطقة شعبية مزدحمة بدكاكين الحرفيين اليدويين تسمى ( القطانة ) أي المتعاطين بالقطن تمشيطاً وندفاً وتحشيته بالأفرشة . فضلا ً عن طبيعة هذا الإسم التخصصية كانت هناك صناعات بدائية كثيرة قريبة من دكان غني . كان هناك نجارون يصنعون ويبيعون الأسرة الخشبية البسيطة وبعض صناديق أعراس القرويين ومهود الأطفال ( كاروك جمعها كواريك ) ثم الكراسي وبعض الحاجيات المنزلية مثل تخوت الجلوس


( واحدها تختة ) وصفائح ثرم اللحم وتقطيع الخضروات ... وغيرهم يقوم بتصنيع صنادل بيتية نسائية ( قباقيب واحدها قبقاب ) . هنا كان يعمل غني محمود ويغني بصوت جميل أثناء حلاقة رؤوس زبائنه . أنجبت عائلة غني العديد من الحلاقين أكثرهم شهرة شقيقه ( حكمت الحلاق ) الذي ترك الحلة وإفتتح محلاً للحلاقة في بغداد على شارع الرشيد في منطقة الحيدرخانة مقابل مقهى حسن عجمي والمدرسة الإيرانية ومحل شربت الحاج زبالة . كان صالون حكمت الصغير ملتقى أهل الحلة في بغداد وخاصة طلاب الكليات وضباط الجيش وكان صديق بل وحبيب الجميع ... يساعد مَن هو بضيق مالي ويسلّف مَن هو بحاجة إلى بعض النقود حتى لكأنه بنك ( مصرف ) صغير محدود المسؤولية . لحكمت وغني شقيق من قرّاء تعازي الحسين والحسينيات في الحلة إسمه عبد الأمير ... أعدمه البعثيون لأنه رفض قراءة المدائح بحق صدام حسين خلال قراءة تعازيه الحسينية وبكائيات عاشوراء المعروفة .


وللعائلة إبن حلاق رابع هو جليل وخامس هو حليم أظن أن َّ صالونه هو الآخر في قلب مركز مدينة الحلة بجوار محل الحلاق جاسم وأخيه برهي الأعضب . أعرف هذه العائلة جيداً لأنهم كانوا جيراننا في سكننا في محلة جبران .


في الحلة محلات ليست قليلة أخرى للحلاقة لكنها ما كانت معروفة على نطاق واسع فهي موزعة هنا وهناك بين الأزقة والشوارع البعيدة صغيرة ومعتمة أحياناً شروط النظافة ليست متوفره فيها ... أغلب روادها من أطفال المدارس وشغيلة وكادحي المدينة من حمالين وأصحاب العربات التي تجرها الخيول وبعض القرويين الوافدين على الحلة لبيع خضرواتهم وإبتياع الشاي والسكر والطحين وغيرها من متطلبات الحياة الضرورية لسكنة القرى والأرياف .


ملاحظة هامة : هذه معلوماتي لعقدي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حتى صيف عام 1962 حيث غادرت الحلة والعراق وعلى وجه الدقة خلال الأعوام 1945 ـ 1962 .


__________________








احمد الباقرمشاهدة ملفه الشخصيالبحث عن المشاركات التي كتبها احمد الباقر







#7










رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


ثانوية الحلة للبنين



مؤسسة عريقة قديمة لها تأريخها الحافل وسمعتها وفضلها على أهالي الحلة إذ تربت ونشأت ودرست وتخرجت فيها أجيال ٌ وأجيال ٌ من الطلبة الحليين وغير الحليين فيهم من غدا وزيراً أو سفيراً فضلاً عن الأطباء والمهندسين والمدرسين وضباط كبار ٍ في الجيش العراقي . لا أعرف متى أُسست هذه المدرسة لكني أعرف أنها نشأت أساساً كمدرسة متوسطة من ثلاثة صفوف ثم تدرج أمرها فغدت مع مر الزمن ثانوية بخمسة صفوف .



لديَّ في العراق صورة نادرة أُلتقطت لأخي الأكبر المرحوم عبد الجبار الظاهر في عام 1939 واقفاً في حديقة المدرسة بقيافة طلاب الكشافة بملابس خاكية متنكبا ً رمحاً طويلاً متخذاً وضعاً عسكرياً بدل البندقية . أكمل أخي في هذا العام الصف الثالث المتوسط ليواصل دراسته العسكرية في بغداد في مدرسة خاصة بالجيش العراقي إسمها [[ الإعدادية العسكرية ]] الدراسة فيها لعامين فقط يدخل مَن ينهيها بعدها [[ المدرسة الحربية ]] لعامين آخرين يحمل مَن يتخرج فيها رتبة نائب ضابط لمدة ستة أشهر يترقى بعدها بإرادة ملكية إلى ضابط برتبة ملازم ثان ٍ يحمل نجمة واحدة ً فقط . صورة أخرى أكثر طرافة تم إلتقاطها في عام 1936 في وسط المدرسة الغربية الإبتدائية لمجموعة من تلاميذ هذه المدرسة متأهبين لسفرة مدرسية إلى كربلاء وكان من ضمن هؤلاء كل من أخي عبد الجبار والتلميذ صفاء الحافظ ( الدكتور أستاذ القانون والسياسي المعروف فيما بعد ) . فاتني أن أذكر أمر هذه الصورة حين كتبت عن مدارس الحلة الإبتدائية القديمة .


موقع ثانوية الحلة : تقع المدرسة على الشارع العام مقابل نهر الفرات تحيط بها بيوت حديثة ( في ذلك الوقت ) جميلة البناء . أتذكر أن الدار الواقعة إلى جهة اليمين من المدرسة كانت مشغولة ولفترات طويلة بالإيجار طبعاً من قبل العديد من مدراء شرطة لواء الحلة أتذكر منهم ( عبد الكريم الظاهر أبو عدنان ... يا للصدفة النادرة !! إسمي وإسم أبي ولقبي ) و( ظاهر حبيب / أبو أُسامة ) الذي كان إبنه هذا يدرس في أحد صفوف هذه المدرسة . كان هذه الرجل نمطاً غريباً بين من عرفنا وشاهدنا من مدراء شرطة . كان ( ديمقراطياً ) مع أبنائه حتى إنه كان يصطحبهم في أيام الصيف بسيارته إلى نهر الفرات للسباحة ومزاولة بعض التمارين الرياضية على ضفة النهر المحاط من كلا جانبيه ببساتين النخيل الوارفة تتدلى من أعاليها عذوق التمر الذي أنضجته حرارة صيف العراق. كان بعد دوامه يخلع بدلة الشرطة الرسمية ويرتدي بنطرونا ً عادياً وقميصا ً نصف كم فقط ... وذلكم أمر غير معهود ، فقد إعتدنا في الحلة على رؤية مدراء الشرطة والمعاونين والمفوظفين بملابسهم الرسمية ليلاً ونهاراً .


تجرني الذكريات وتداعياتها جراً فلا أجد في نفسي القدرة على مقاومتها أو صدها . المهم ، تتكون المدرسة الثانوية من طابق أرضي تشغله صفوف المتوسطة الأول والثاني والثالث بينما تشغل الطابق الأول الصفوف الرابعة والخامسة المخصصة لطلبة الدراسة الثانوية ( والإعدادية ) بشقيها العلمي والأدبي . ما كنا نفرق بين التسميتين ... ثم كانت هناك الغرفة المخصصة للمدرسين وغرفة المدير ثم غرفة كاتب المدرسة . للمدرسة ساحة شاسعة مخصصة للألعاب الرياضية وخاصة كرة السلة والطائرة والألعاب السويدية أثناء ساعات دروس الرياضة . كما كان هناك المرسم ثم ( بيوت الراحة ) ومختبر للكيمياء والفيزياء والبايولوجي كان مسؤوله الفراش ( محمد ) ... الرجل البسيط الذي كان يعرف أسماء المواد الكيميائية بدقة وخصائص أجهزة الفيزياء رغم أنه كان رجلاً لا يقرأ ولا يكتب .


تناوب على إدارة هذه المدرسة خلال الأعوام الدراسية 1952 ـ 1954 ثلاثة مدراء هم : أبو وريا ، أستاذ كردي ، ناجي الدوري ثم إبن الحلة عبد المجيد الفلوجي . أدارها قبل هؤلاء الحلاوي الآخر الشهير الأستاذ عبد الرضا القيّم ... صاحب اللسان السليط حتى مع طلابه . من أبرز مدرسي المدرسة تحضرني أسماء السادة : عبد الباقي الشواي ، مدرس اللغة العربية والأدب العربي لطلبة الفروع العلمية فقط . جمال عبد الرزاق ، مدرس الفيزياء والهندسة المجسمة . عبد القادر سعيد البيطار ، مدرس اللغة الإنجليزية هو وفاخر عبد الرزاق . هاشم محسن ، لتدريس علمي النبات والحيوان . ناظم شوقي لتدريس الكيمياء . محمد السماوي ، لتدريس علم الإجتماع أو أحوال إجتماعية . السيد هاشم موسى وتوت ، لتدريس الجغرافيا أو التأريخ لطلبة الفرع الأدبي . بالإضافة إلى مدرسين كثرة آخرين لا يمكثون طويلاً في المدرسة إذ سرعان ما يختفون منقولين إلى بغداد أو إلى مساقط رؤوسهم في باقي مدن العراق . أذكر منهم محمد عرب وآخر يحمل لقب الحبوبي . ثم كان لدينا مدرسون مصريون درسنا( إيزوريس ) علم الحيوان والأستاذ ( فوزي رياض ) الهندسة و حلمي توفيق غربال تولى شؤون الرياضة وكان التلميذ المقرب إليه هو زميلنا ( خزعل عبد جابك ) لإتقانه لعبة كرة السلة بقامته المديدة وظرفه وخفة دمه . أتانا الأستاذ حلمي بعد أستاذ الرياضة البغدادي أحمد سالم الرياضي المتمرس وصاحب الفضل الأكبر في تنشئة روح رياضية ونشاط غير مسبوق في الحلة سواء في المدارس أو خارجها . أظن أن الأستاذ أحمد سالم غادر الحلة في بعثة دراسية إلى مصر واصل هناك دراسته الأعلى وكان أول تعيينه معلم رياضة في ناحية السدة ( سدة الهندية ) التابعة للواء الحلة .


حصل يوماً تجاذب وأخذ ورد بين أستاذ الرياضة أحمد سالم في حصة الرياضة وزميلنا عبد الأمير محمد أمين . كانت التعليمات أن يرتدي الطلبة في ساعة الرياضة بنطرونات قصيرة . جاء عبد الأمير في ذلك اليوم ولم يجلب معه البنطرون القصير المطلوب . حاججه الأستاذ طويلاً وألح عليه أنْ لا بدَّ من إرتداء الزي الرياضي المطلوب . وظل عبد الأمير على عناده رافضا ً الإمتثال لطلب مدرسنا . وكانت دقائق متوترة حقاً ونحن وقوف في الطابور في إنتظار الشروع في ممارسة الألعاب السويدية قبل تقسيمنا إلى مجموعات حسب رغبة الطالب ... فهذا في مجموعة لعبة الكرة الطائرة وذاك مع مجموعة كرة السلة وآخرون ينصرفون للقفز العريض أو العالي أو القفز بالزانة أو التدريب على رمي القرص وهكذا . نبقى في صفوفنا بالطبع في الأيام المطيرة ... لذا كان بعضنا يفرح كثيراً بنزول المطر خلاصا ً من { البنطرون القصير } الذي ما كان وقتذاك يلائم ذوق ومزاج الحلاويين ولا يتقبلونه أصلاً .


على ذكر الأستاذ المصري ( فوزي رياض ) : سمعنا ذات يوم أن هذا الأستاذ قابل مدير معارف لواء الحلة على عجل طالباً إعفاءه من مهنة التدريس والرجوع إلى مصر . ثم عرفنا أن خلافاً نشب بينه وبين مدير المدرسة الأستاذ الفلوجي [[ ملاحظة : أخبرني مشكرواً صديقي الأستاذ فاضل فرج في مكالمة تلفونية من ستوكهولم أنَّ هذه الأزمة قد تفجرت إثر جدل وقع بين الأستاذ المصري وأحد طلبة الصف الرابع العلمي هو غازي سلمان اللوزة ... قد يكون هذا الحدثُ صحيحاً لكني أحسبه تشعب وتعقّد وإنتقل ليغدو خلافاً بين الأستاذ ومدير المدرسة فحصل ما حصل ]]. تنادى بعض الطلبة من الناشطين في الحقل الطلابي وأجمعوا على أن نترك الدوام ونشكل وفداً طلابياً يزور مدير المعارف في مكتبه في أحد أجنحة متصرفية اللواء ومحاولة إقناع الأستاذ المصري في أن يسحب طلب إستقالته تضامناً معه فقد كان مدرساً ناجحاً مخلصاً في تدريسه ثم كان متعاونا ً دوماً مع طلبته يقدم التبرعات للمرضى والمحتاجين منهم . ثم ، نعم ثم َّ ، من باب النكاية بمدير المدرسة الذي ما كان محبوباً من قبل الطلبة . توجهنا بالفعل صوب متصرفية اللواء وطلبنا مقابلة مدير المعارف ( لا أتذكر إسمه ) فسمح لبعضنا بمقابلته ففوجئنا !! قال باسماً : هاكم مدرسكم ... خذوه معكم إلى المدرسة ... تراجع عن طلبه ... شكراً أولادي ... هكذا يكون رد الجميل لمن يربيكم ويبذل جهده في سبيلكم... شكراً أولادي ... عودوا وواصلوا دراستكم في أجواء طبيعية. عدنا للمدرسة جذلين منتصرين بالدرجة الأولى على عنجهية وتشدد مدير المدرسة المكروه ثم بعودة مدرسنا المحبوب إلينا . في لحظة دخولنا المدرسة حصل أمامي حادث غير متوقع . صرخ زميلنا زاهد شفيق بأعلى صوته (( يعيش الإتحاد )) !! هاجمه بعنف ولكمه في وجهه زميلنا الآخر كريم إبراهيم المطيري !! أصبح زاهد فيما بعد قومياً ونال الكثير من الأذى من إنقلابيي شباط 1963 حسبما سمعتُ بعد رجوعي للعراق . أما كريم المطيري فقد كان منذ ذلك الوقت بعثياً نشطاً .


كان من أوائل الداعين لهذه الحملة الناجحة جداً الزميل عدنان أحمد دنان المعروف بنشاطه في الحقل الطلابي ، ثم الزميل علي فليح حسن عجام وعبد اللطيف عبد الله ويحيى حميد القزويني وغيرهم .


إصطدم المدير الفلوجي مرة أخرى ليس مع أحد أعضاء الهيئة التدريسية ولكن ... مع أحد الطلاب . من هو هذا الطالب الذي أجبر المدير على ترك المدرسة والتوجه شاكياً إلى متصرف اللواء ؟ إنه عاد تكليف آل فرعون طالب الصف الرابع الأدبي المثقف والأديب والنشط في مجال الأدب والحريص على كتابة محاضرات يلقيها أيام الخميس في الفترة المخصصة لتحية العلم . كان شديد الإعجاب بالكاتب الفرنسي جان بول سارتر ونظريته في الوجود والإلتزام . لا أعرف سبب أو دواعي مشكلته مع المدير لكننا عرفنا بخبر زيارة هذا المدير لمتصرف اللواء شاكياً من عاد آل فرعون الذي كان عمه ( أركان العبادي ) وقتذاك نائباً في البرلمان العراقي . عاد المدير فطلب من عاد أن يقابل المتصرف . روى عاد لي قصة هذه المقابلة بأسلوب درامي وقدرة لغوية متميزة . قال سلمت على المتصرف وجلست على إحدى أرائك حجرته الواسعة فسألني على الفور : مَن سمح لك بالجلوس ؟ قال له : لِمَ لا أجلس وإنَّ جلوسي يشرف هذه الأريكة التي يجلس عليها النصراني توما ؟ ضحك المتصرف ثم طلب منه أن لا يسبب المشاكل لمدير المدرسة . من هو النصراني توما ؟ إنه رجل مقاول معروف في الحلة وكان يتعامل وينفذ مشاريع كثيرة للحكومة الأمر الذي يقتضيه مراجعة هذا المسؤول أو ذاك بمن فيهم متصرف اللواء . أغتيل عاد فرعون آل تكليف العبادي في بغداد قبل عام أو أكثر قليلاً إنتقاماً من موقف أخيه النزيه الصارم القاضي في محكمة الجنايات المختصة .


من هم أصدقائي زمن الدراسة الثانوية ؟ كثيرون ولكن كان فيهم أصدقاء متميزون نلتقي بعد الدوام ونرتاد بعض المقاهي معاً نلعب الطاولي او الآزنيف في بعض مقاهي منطقة باب المشهد ونتمشى في الربيع والصيف طويلاً وربما ندرس معاً في بعض المقاهي على نهر الفرات ولا سيما مقهى صفي الدين لصاحبها حسوني آل حجاب ، أبو علاء . كان من بين هؤلاء الصديق رحيم عبد الأخوة ومكي السيد نور الشلاه وجبار عبد الحليم الماشطة وبشار حمزة محمد علي وحسن عبد الرزاق الكفيشي . كان مكي الشلاه يجلس في صف الرحلات المدرسية الموازي لمكان جلوسي من جهة اليمين قريباً مني . أتذكر مرة ً مارس هذا الصديق الظريف الغش في إمتحان اللغة العربية الشهري فكبسه المدرس الأستاذ عبد الباقي الشواي متلبساً بعملية الغش. إنتزع منه أوراق الغش الثبوتية لكنه لم يشكوه إلى إدارة المدرسة . بدل ذلك أخذ يعنفه ويقرعه بكلمات قاسية حتى كان يصعب عليه مواصلة الكلام إذ كان الأستاذ يتأتئ في كلامه . فلقد كان يتوقف طويلاً وهو يحاول ان يقول (ولك ) ... يتوقف طويلاً لدى حرف الواو فيظل يردد وو .. وو ...ثم ينجح أخيراً وبعد جهد جهيد في تلفظ كلمة ( ولك ... ولك ما تخجل ... ولك ما ... ما ... ما تستحي على شرفك ... ) . الطريف أن زميلنا مكي الشلاه ما كان خائفاً أبداً ولم يتفاعل مع عربدة المدرس الغاضب إذ جلس على رحلته ثابت الجنان رافع الرأس غير آبه ٍ بما يسمع من شتائم خفيفة وتقريع . أخُ الصديق رحيم ووالد مكي كانا شريكين في سيف كبير في باب المشهد لتجارة الحبوب ، لذا كانت علاقتهما كذلك قوية متينة وكنت أنا الجسر الرابط .


كلفني أستاذ الفيزياء المرحوم جمال عبد الرزاق مرة أن أقوم برسم وتكبير صورة صغيرة لعالمة الكيمياء والفيزياء النووية البولونية الأصل ( مدام كوري ) . نفذت التكليف على أكمل وجه لكني فوجئت أن َّ الأستاذ جمال ( أبو عماد ) ما كان راضياً عن تنفيذي للمهمة . قال لي : كيف شوهتَ وجه مدام كوري المعروفة بالجمال ؟ ما كانت هذه المدام في واقع الحال جميلة الصورة ... ثم إني نقلتُ بدقة وأمانة ٍ الصورة َ الأصل التي أعطاني أستاذي. خيبة أمل ، إذ رفض تعليقها ـ حسب الإتفاق ـ على أحد جدران مختبر الفيزياء وكنتُ لو فعل ذلك سأفرح وأفتخر أمام زملاء صفي . كان معنا رسام ممتاز قديم وقدير هو كاظم أحمد علوش ... لا أتذكر الموضوع الذي كلفه الأستاذ أن ينجز رسمه أو نسخه . وكان كاظم يقضي أوقاتاً طويلة في مرسم المدرسة يرسم تحت إشراف أستاذنا الرائع الفنان الرسام سلمان موسى الحمداني ( أبو صبيح ) .


من مشاهير طلاب المدرسة في تلك الحقبة في مجالات الرياضة / في كرة السلة والطائرة : فاضل مرجان وإحسان حسين غزوان وهادي عبيد فنفخ ْ . وفي القفز بالزانة الزميل مضر محمد علي الفلوجي وفي رمي الرمح الزميل مهلهل حسين . كانت تزور الحلة فرق رياضية عديدة أتذكر منها فرقة تمثل نادياً رياضياً أو إحدى مدارس بغداد الثانوية رأيت فيها لاعب السلة والطائرة المفرط في طول قامته والمعروف بكنية [[ سلمان فرس النبي ]] . كان الرياضي الشهير حساني كاظم الموسوي يشارك في هذه المباريات الودية ممثلاً للفرق الحلاوية رغم أنه كان تاركاً الدراسة والمدارس وخدم الجندية لفترة قصيرة فقط كشأن باقي دافعي البدل النقدي (( خمسون ديناراً في ذاك الزمان )) .


كان العام الدراسي 1953 / 1954 آخر عام دراسي للمدرسة الثانوية القديمة إذ تم تشييد مدرسة ثانوية جديدة هائلة المبنى والمساحات المحيطة بها في منطقة (( القاضية )) تحيطها غابات النخيل والبيوت الجديدة . الطريف أنَّ إمتحانات البكلوريا للصف الخامس الإعدادي أجريت هناك في المدرسة الجديدة وكان مدير القاعات الإمتحانية أستاذا ً من أهل البصرة ، وكنتشقاوات وباعة التبغ




طلب مني الصديق العزيز الحلاوي الدكتور ممتاز كامل كريدي الذي غادرالحله عام 1952 ولم يعد للعراق إلا مرة ً واحدة في زيارة قصيرة ... طلب مني أن أتكلم عن [ شقاوات ] الحلة وضرب لي مثلاً من شخص لا أعرفه ولم أسمع في الحلة بإسمه أصلاً قال إنه { كاظم سعيد }. لم يسعدني حظي في أن أتشرف بمعرفة هذا الشقي الذي ـ كما أخبرني ممتاز مساء أمس تلفونيا ـ نفذ جريمة قتل بحق أحد خصومه ومنافسيه من الأشقياء ثم نال جزاءه فقُتل حسب قاعدة الأخذ بالثأر (( ولكم في القِصاص حياة ٌ يا أولي الألباب )) ثم (( القتل ُ أنفى للقتل )) . كنت أسمع في صغري عن شقي بطل معروف على نطاق العراق كما كان يقال عنه في أربعينيات القرن الماضي ... إنه ( إبراهيم إبن عبدُكهْ ) الحلي الأصل . قتل هو الآخر في مدينة الحلة على نفس قاعدة الأخذ بالثأر . الطريف أني رأيته ذات يوم ، وكنت مع مجموعة من الأصدقاء نقوم بزيارة لآثار بابل القريبة من مدينة الحلة [ خمسة كيلومترات ] ، رأيته يقوم بإرشاد مجموعة من السياح الأجانب ويشرح لهم ما يرون من آثار باللغة الإنجليزية فأثار عجبي و كانت لغته سليمة . كان يرتدي ملابس بسيطة قريبة جداً من ملابس فلاحي الفرات الأوسط : بِشت ( عباءة ) صوفي جوزي اللون ودشداشة وكان رأسه ملفوفاً بكوفية ( يشماغ ) من النوع المألوف في الحلة وضواحيها . يروي الحلاويون عنه نكتة لا تخلو من مغزى ... سألوه ما سبب شجاعته وخوف الخصوم والأعداء منه فقال بكل بساطة : أهجم عليهم أول ما أهجم على أضعفهم شأناً فأجندله على عجل ... حينئذ ٍ ينهزم الخصوم الآخرون أمامي كالأرانب ... هذه هي طريقتي وفلسفتي في مقارعة الخصوم وكانت تحقق لي كل الإنتصارات المطلوبة ... ما كنتُ بطلاً مغواراً مثل عنترة العبسي وما كنت فائق القوة والشجاعة مثل شمشون الجبّار ولا طويلا ً مثل عوج إبن عنق ، بل كنت في أفضل حالاتي إنساناً كما ترونني بسيطاً مربوع القامة . كنت أعرف بعض الشباب المتهورين من أبناء الحلة لكنهم لم يقتلوا أحداً ولم يقتلهم أحد ٌ . كانوا أشراراً حسب مفاهيم وتقاليد زمان أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. ففيهم الفار من الخدمة العسكرية ( الجندية ) يقضي نهاراته متخفياً في البساتين ولا يظهر للملأ إلا ليلاً وفي نطاق محدود ومناطق محدودة لا تصلها مفرزات أو دوريات جنود الإنضباط . أتذكر واحداً من هؤلاء الأفرارية كان يبدل إسمه فتارةً هو عبد الملك وتارة ً أخرى هو عبد ( ... ) وكان بين حين وآخر يتكسب حذراً بالعمل كساقي شاي أو ماء في بعض مقاهي منطقة الجامعين من الحلة . كان في طبع وسلوك البعض من هؤلاء ( الأفرارية ) شئ من الغلظة وبعض العنف والعدوانية بسبب ظروف تخفيهم وخوفهم من إلقاء القبض عليهم وإجبارهم على الخدمة في الجيش تحت إسم ( خدمة العلم ) . أحسب أن َّ ذلك إمتداداً لسلوك العراقيين زمان الهيمنة التركية والعثمانية على العراق إذ كانت السلطات تجبر العراقيين على القتال ضد أعدائهم في حروبهم مع البلغار والروس... وأكثر هذه الحروب شهرة ً هي حرب البلقان ثم حرب القرم وحرب ( السفربرلك / السفرْ برْ) التي قضت على ألاف مؤلفة من الشباب العراقي سقطوا هناك بعيداً عن مدنهم وأهليهم في حرب لا ناقة َ لهم فيها ولا جمل ... وكان فيهم خال والدتي ( ياقوت أغا ) الذي كان يحمل لقب ( زابطان ) حسب تسمية جدتي لأمي ... أي ضابط في جيش الخلافة العثمانية . ذهب وقاتل ولم يعد وإختفت أخباره ... وكان هذا شأن الباقين هناك ... الموت أو الأسر وتنقطع الأخبار . لذا ورث العراقيون الخوف من الجندية والريبة في نوايا الحكام والحكومات التي حكمت العراق منذ عام 1921 تحت إسم الحكم الوطني الذي أسسه الملك الحجازي فيصل الأول بن الحسين شريف مكة . ثم كنتُ أعرف بعض الشباب من مدمني السكر وتناول العرق الردئ الذين كانوا بعد أن يتعتعهم السكرُ يقفون قاطعين بعض شوارع الحلة الرئيسة حاملين الخناجر في أحزمتهم أو أيديهم يصرخون مهددين المارة بأن يعودوا من حيث أتوا وإلا ... لكنهم ما كانوا ينفذون تهديداتهم ولم يجرحوا أو يضربوا أحداً من المارة . كان أحد هؤلاء (( الشقاوات التنك )) يدعى ( رضا الدُهلّي ) من سكنة محلة الجامعين . كان هذا يمتهن السياقة أجيراً لأصحاب السيارات وكان إذ يسكر أحياناً يسئ إستخدام السيارة كأن يقحمها في أماكن خطرة تمزق إطاراتها أو يتجه بها عامداً وبسرعة بإتجاه أحد الحيطان لتحطيم مقدمتها ... ثم يتركها لصاحبها وكأن شيئاً لم يكن . أذكر شخصاً آخر كان محسوباً على الشقاوات لكنه لم يمارس أي عمل شقي في مدينة الحلة . كان هذا هو الآخر سائقا مختصاً بسياقة لوريات الحمولة الثقيلة ... واسع الصدر مفتول العضل حليق الرأس نمرة صفر وكان نهماً في الأكل بشكل قد لا يصدقه القارئ ... كان بإمكانه الإجهاز على ( خصافة تمر مكبوس ) ... إسم هذا الشخص حياوي أو حيوي . حياوي هذا وأضرابه من أشباه الشقاوات والمحسوبين عليهم ما كانوا يهابون إلا الرياضي البارع حساني كاظم الموسوي ... فقد كان ذا جسد متين مرصوص العضل وكان في شبابه مصارعاً معروفاً في مدينته الأصل كربلاء قبل أن يأتي الحلة للدراسة والإقامة في محلة ( السنية ) في بيت خاله السيد ( حميد عنكة / أي عنقاء ) . هل لديك صديقي ممتاز كريدي ما تضيف لعالم الأشقياء والشقاء والشقاوات ؟ ولماذا يستهويك هذا الموضوع وما كنتَ في حياتك إلا إنساناً مسالماً محباً للناس وللخير ولكل الخيرين في تأريخ البشرية ؟ أضف ما لديك وأنت أكبر مني بعامين ومعرفتك بالحلة وأهل الحلة أفضل من معارفي وأوسع كما أحسب مع إعتذاري .


صديق عزيز آخر نصف حلاوي ـ نصف شامي ( من الشامية ) هو الكاتب البارع الأستاذ ذياب مهدي آل غلام ... كتب لي من أقصى مكان على سطح الكرة الأرضية ... من أستراليا يقترح عليَّ أن أتناول موضوع حرفيي الحلة وباعتها المعروفين مركزاً على باعة التبوغ الذين كنا نسميهم (( تتنجية )) من كلمة تتن أي تبغ ( تركية ؟ فارسية ؟ صينية ؟ ) وافقته على ما طلب وأضفت لمقترحه أن أتناول أصحاب مهن ومصالح أخرى مثل باعة الطرشي وسيجاير اللف والمزبن علماً أني لم أدخن في حياتي أبداً ، ثم الجللجية ( صناع جلالات الحمير ) والصفارين ( الصفافير ) والنجارين والحدادين والقصابين وباعة الخضرة والفاكهة وأصحاب محلات العطارة المعروفين جيداً في الأوساط الحلاوية وغيرهم الكثير . أعترف إنها مهمة صعبة ومعقدة قليلاً ، فشخص واحد مثلي غادر مدينة الحلة في اليوم السادس من شهر آب 1962 ولم يعد إليها إلا في زيارات قليلة قصيرة بين فترة وأخرى ... شخص فرد ٌ مثلي لا يمكنه الإلمام بكل هذه الأمور خاصة ً وإني كنتُ بعيداً عن هذه الأوساط إذ لم أمارس أياً من هذه المهن والمصالح ولم أرتبط بأي ٍّ من أربابها وأصحابها لا بالصداقة ولا بعلاقات القربى . إنه موضوع مغرٍ بالفعل وسأحاول أن أخوضه معتمداً على ذاكرتي خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي . يا الله ... توكلنا عليك وعلى اللهِ فليتوكلْ المتوكلون .


__________________








احمد الباقرمشاهدة ملفه الشخصيالبحث عن المشاركات التي كتبها احمد الباقر







#8



14-02-2010, 09:07 PM


احمد الباقر

رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


الطرشي في الحلة /


أعرف جيداً السيد ( ناجي الطرشجي ) صاحب دكان لبيع الطرشي يقع ركناً في الشارع الرئيس المغطى بطريقة بدائية قديمة ، شارع الجبل الذي يبدأ قريباً من مركز شرطة الحلة وينتهي لدى أحد سفوح حديقة الجبل . أعرف هذا المحل وإسم صاحبه لأنه كان المحل المفضّل لكل من المرحومة والدتي ثم شقيقتي الكبيرة . كلتاهما تحبان السمك المقلي ولا تتناولانه إلا مع طرشي ناجي الطرشي وخاصة الباذنجان المحشو بالثوم والكرفس والمشدود بشريط دقيق من خوص النخيل الأخضر الطري . ثم ثوم العجم والخيار الحامض مما يجهز البائع ناجي في بيته بالتعاون مع باقي أفراد أسرته . توقف الأهل عن إبتياع طرشي ناجي بعد أن أتقنوا وإستيسروا صنعه في البيوت ثم يحشونه في قوارير َ فخارية كبيرة تسمى ( بساتيك / مفردها بستوكة ) يغلقونها بلفة متقنة التعبئة من ليف النخيل للتهوية وتنفس الطرشي وخروج الغازات الناتجة عن التخمر . يتركون هذه القوارير وما فيها في سطح الدار تحت الشمس لفترة محددة محسوبة لكي ينضج داخلها الطرشي المطلوب .


باعة التبغ وسجائر ( المزبّن ) /


كثيرة هي دكاكين بيع السجائر والتبغ في الحلة ... لكنَّ أكثر باعة سجائر المزبن شهرة كان السيد مجيد ليلة ... البائع الدائم لسجائر والدتي ويا طالما أرسلتني له لكي أبتاع لها حزم ( ضبات ) السجائر منه وكانت تقول عنه إنَّ تبغه بارد . كان محله في شارع الجبل المسقف نفسه المار ذكره . كما أتذكر محل السيد كاظم الصحّاف ، والد ( محمد سعيد الصحاف ) البعثي والوزير السابق المعروف ب ( أبو العلوج ) . يقع هذا المحل في نفس شارع الجبل . ما كان المحل مختصاً إلا ببيع التبغ المقطع المعد خصيصاً لتعبئة سجائر اللف ثم السجائر التي ينتهي أحد طرفيها بمصفاة قصيرة من الورق المقوّى تدعى ( زبانة ) ... لذا تحمل هذه السجائر إسم سجائر المزبّن . [[ أيام المزبن كضن ْ دكضنْ يا أيام اللفْ // مظفر النوّاب ]] . في هذا الشارع بالذات محل مختص ببيع تبغ النوارجيل ( النركيلات ) وكان يبيع نوعين منه فقط أحدهما يدعى (( تتن هندي )) والآخر (( تتن شيرازي )) ... الأسماء تدل على مصادر هذين النوعين من التبغ . كنتُ أراقب صاحب هذا المحل كيف يقطع بل ويثرم أوراق التبغ العريضة بطبر أو ساطور محدودب الظهر يحركه بقوة يميناً وشمالاً ويضيف بين آونة وآخرى قطراتٍ من الماء على التبغ . تقع على الجانب المقابل في هذا السوق محلات عدة كبيرة للبيع بالجملة والمفرد وكان التبغ المسحوق والسجائر المنوّعة من ضمن ما كانوا يبيعون ... شاي وسكّر وصابون رقي وأبو الهيل وحلويات من قبيل المصقول والحامض حلو والملبس وكلات ( مخاريط ) القند للأفراح والحلقوم والصجق و( ز ... ) القاضي والساهون وغيرها من الحلويات كالكحلاوة الشكرلي وحلاوة الدبس والبندق واللوز المملح جيداً والجوز العادي وجوز الهند ( لب غراش ) وحب الرقي المشوي وحب القرع وقمر الدين وكعب الغزال والبادم ... إلخ. لي قريبٌ هناك وصديق ثم كان هناك محل هائل ( خان ) للبيع بالجملة فقط يملكه جيراننا وأصدقاؤنا في محلة جبران السادة الحاج عبد أسود وولده الرجل الشهم عبد أبو حمادة ومهدي وباسم وحسام وفوزي ... وكان رجل يهودي بقي طويلاً في الحلة ولم يهاجر مع مَن هاجر من اليهود كنيته ( أبو يعكوب / أبو يعقوب ) ... كان هذا الرجل يقوم بتنظيم سجلات الوارد والصادر أو الشراء والبيع بطريقة ( البلانجو ) لقاء أجورعالية سخية لأنه كان الوحيد الذي يتعاطى في الحلة مع عمليات البلانجو . من أين أتت هذه الكلمة وقد فهمنا معناها ؟ أظن من الكلمة الإنجليزية التي تعني : موازنة أو ميزانية


Balance


أو كلمة فرنسية قريبة منها أو شبيهة بها والله أعلم كما يقول بعض الأصدقاء .


أتذكر محلاً يقع في شارع المكتبات تماماً كان متخصصاً ببيع علب السجائر فقط وكان يروج لأسماء سجائر بعينها مخطوطة بحروف كبيرة على زجاج محله ... أتذكر جيداً : سجائر غازي العراقية وسجائر ينجة التركية ولوكس ملوكي ولوكس أبو العكال ( أبو العقال ) ... كان ذلك في بدايات أربعينيات القرن المنصرم وبالضبط خلال عامي 1942 / 1943 . وبعد ذلك غزت الأسواق سجائر الجمل ثم السجائر الأمريكية والإنجليزية الأخرى منها كرفن آ ( أبو البزونة / كانت العلبة تحمل صورة قطة سوداء )


Craven A


و ستيت أكسبرس


State Express


ثم جاءت سجائر مالبورو بعد ذلك بوقت طويل .


النجارون /


كان جارنا السيد عباس أسطة أمين / أبو شوكت والمرحوم محمد وصهر الأستاذ حميد خليل / أحد أكثر نجاري الحلة شهرة ً ... كان ذلك خلال أوائل أربعينيات القرن العشرين . شغل َ محله الكبير أحد دكاكين بناية تمتد طولاً من طابق واحد أرضي توازي نهر الفرات في وسط الحلة يملكها السيد عبد الرزاق شريف والد لؤي وأخويه التوأمين ... أغلق السيد عباس أسطة أمين محله هذا لأسباب أجهلها ... ثم إفتتح ولده البكر الأخ العزيز شوكت أواسط خمسينيات القرن الماضي محلاً خاصا به للنجارة وكان حقاً نجاراً ممتازاً ذا فن وذوق وقدرات متميزة على تنفيذ الموديلات التي يطلبها زبائنه منه . عمل معهما ولفترة طويلة جارنا الآخر الصديق كاظم زكوم ( إبن عم الصديق الأستاذ الدكتور مهدي ناجي الزكوم ) ثم إستقل عنهما بعد أن أصهر على شقيقة شوكت السيدة سعدية . أستقل َّ وإنصرف لتصليح أجهزة الراديو وباقي الأجهزة الكهربائية . قرأت بحثاً مرة ً في فن العمارة والزخارف الإسلامية للصديق الأستاذ صبيح سلمان الحمداني وفوجئتُ به يذكر المرحوم ( أسطة أمين ) / والد عباس أبي شوكت / كأحد أعمدة سادات ( أسطوات ) الزخرفة والحفر على الخشب في الحلة . وبالفعل ، كان في دار أبي شوكت غرفة عليا واجهتها على زقاق عكد المفتي في محلة جبران ، حيث سكناهم وسكنانا ، كانت واجهتها عبارة عن لوحة فنية جميلة من شتى الزخارف المحفورة على الخشب ... وكانت هذه هي الشناشيل الشهيرة في عموم العراق .


هدم آل عبد الرزاق شريف بنايتهم القديمة تلك فيما بعد وأقاموا مكانها بناية ضخمة من طابق أرضي وطابق آخر فوقاني فقط سرعان ما غُصّت بمحلات تجارية منوعة ومقاه ٍ ومحلات خياطة وبيع الملابس الجاهزة ومحل لكي الملابس بالبخار أسسه الصديق المرحوم هادي ثم إنتقلت ملكيته بعده إلى السيد ( نيني... إسم غريب ، إسم إيطالي ) . أما الطابق الفوقاني فلقد شغلته فنادق أتذكر أسماء بعضها : فندق بابل لصاحبه أبي عدي صاحب عبيد الحلي صاحب أغنية يا عزيز الروح يا بعد عيني الشهيرة ، وفندق الفرات لعله للسيد عبد الكريم الفراتي ، والثالث هو فندق الخيام لأبي مؤيد السيد عبد الأئمة سعيد.


سوق الجللجية /


في الحلة سوق خاص لصناعة أجلّة الحمير أو الجلالات واحدها جلال [ أجلّكم الله ] ... يبدأ من زقاق ضيق موازٍ لشارع الجبل لينتهي في بداية محلة الحشاشة . مادة أجلة الحمير أو (( المطايا أو الزمايل أو الجحوش ... )) الأساسية هي ليف النخيل يعبأ في حشايا من نسيج متين رخيص . تكتظ في وسط ونهاية هذا الزقاق محلات شتى يشغلها نجارون وأطرقجية لبيع العباءات وبعض الأنسجة وسجاد الحمزة الصوفي اليدوي الصنع . كما أنَّ فيه مقاماً يهابه أهل الحلة يسمونه ( الغيبة ) يزورونه حاملين شموع النذر حيث المتقد منها يملأ المكان سويةً مع نفح أدخنة البخور ولا سيما في أمسيات الخميس من كل أسبوع . في نهاية هذا الزقاق المسقوف جيداً يقع محل الحاج خضير الكبير والد الشاعر { الطوطائي } ... صاحب القصيدة التي أطلق بعض الحلاويين عليها القصيدة الطوطائية ومطلعها :


يا أميراً في الجنودِ



لابساً أبيض مجوّت ْ


بي نقط أزرقْ حليبي


دم الحلاوي حلال ْ ؟؟





مجوّت أي مغسول مع مسحوق مادة الجويت التي تعطي الملابس البيض لوناً أزرق سماوياً جميلاً .


كنت في صغري لا أشتري حب الرقي واللوز المالح وجوز الهند إلا من محل الحاج خضير حسب تعليمات والدتي لأنه صهر جيراننا عائلة الأستاذ الدكتور المرحوم علي جواد الطاهر .


مع تحياتي للأستاذ ذياب مهدي آل غلام المقسّم بين الشامية والحلة بدون جدار أو حصير أو بارية قصب ...


ُ أنا أحد من أدّى بنجاح هذه الإمتحانات .





شخصيات طريفة




نزولاً عند مقترح صديق عزيز ، سأحاول أن أتذكر بعض الشخوص المعروفة في مدينة الحلة بهذه الصفة أو تلك ، أو بميل سلوكها أو بعض طبائعها عما تعوّد الناس عليه من فعل ورد فعل . كما أنَّ فيهم المعطوب جزئياً أو المعوّق أو القعيد أو الأخرس ولكن مع كل هذه النواقص والعيوب فإنهم كانوا عناصر فعالة معروفة بواحد أو أكثر من أوجه النشاط الإجتماعي . أتكلم عن الفترة الزمنية الممتدة إعتبارا ً من عام 1942 حتى عام 1962 أي فترة عشرين عاماً لا أكثر .


أولا / جواد الأخرس


كان هذا الشاب الأخرس يعمل مستخدما ً لدى صاحب المكتبة العصرية السيد مهدي السعيد مكلفاً بتوزيع الصحف اليومية على المشتركين من أهل الحلة وموظفيها ... يدور في الشوارع والطرقات والأزقة صيفاً وشتاءً على دراجته الهوائية ويعرف المشتركين بأسمائهم وعناوين بيوتهم ومحلاتهم ثم يبيع القسم الآخر منها على جلاس المقاهي . كان أبي النفس لدرجة أنه كان يرفض ما يقدم له الكثير من زبائنه ومعارفه وجيران سكناه من مشروب مثل الشاي أو الكولا أو الشربت من باب رد الجميل حين يسلمهم الصحف الخاصة بهم إلا مني !! أصبح بمرور الزمن ومجاملتي بالإشارات له لا يرفض ما أطلب له من مشروب . ينتهي من مشروبه ثم يرفع لي يده محيياً كما يفعل الجنود . ناله من الأذى والظلم ما نال الكثيرين زمن عبد الكريم قاسم على أيدي البعثيين والقوميين في الحلة . رأيته ذات يوم مدمىً مع الكثير من الكدمات في وجهه فسألته عما حدث ؟ إستعمل فمه ويده وحرك شفتيه بسخرية لاذعة فأفهمني أنه وقع ضحية إعتداء آثم من قبل ضابط الإنضباط العسكري حينذاك علي هادي وتوت . ثم ذاع الخبر في أوساط أهل الحلة . لماذا إعتدى ضابط الإنضباط البعثي على رجل لا يستطيع النطق عاجز عن الكلام والدفاع عن النفس ولا يعرف ما هي السياسة ؟ السبب لأنه وبذكاء غير عادي كان يوزع جريدة إتحاد الشعب الممنوعة من البيع العلني على كافة قرائها من اليساريين والدمقراطيين والحزبيين الشيوعيين !! كيف تسنى لهذا الإنسان معرفة الشيوعيين وأصدقائهم وتمييزهم عن العناصر البعثية والرجعية والقومية ؟ بفطرته السليمة حيث دلته على مكانه الصحيح في سلم الحياة . لِمَ إنحاز إلى اليسار وهو إنسان غير ناطق وأمي لا يقرأ ولا يكتب ؟ كيف أدرك أن مكان الفقراء مع الشيوعيين وفي صفوفهم وإنهم المدافعون عنه وعن أمثاله من المقهورين والمظلومين والمستضعفين في الأرض ؟ أراها معجزة وأراه كذلك معجزة . لا أعرف مَن هم أهله وذووه ولا أعرف أين يسكن وهل له من إخوة وأقارب وأعمام أو أخوال ؟ لا بدَّ . سلامٌ عليك أيها البطل الشجاع والإنسان الحقيقي النقي السليقة والطبع .


ثانياً / هادي جابك


رجل سوي حين يكون صاحياً من عائلة آل جابك الحلاوية المعروفة . ينقلب سلوكه ويتغير جذرياً طبعه حين يسكر فكنا نراه ماشياً في الشارع الرئيس حاملاً سترة مستعملة أو سواها للبيع لكنه يتوقف في مواضع عدة هنا أو هناك ويرفع رأسه وكفيه نحو السماء والدموع تتساقط من عينيه مدراراً مردداً جملة بعينها لا أكثر : ربي أخذْ عمري !! يضحك عليه مَن لا يعرفه ويتأسى له عارفوه وعارفو قصته وقصة خلافه مع زوجه وتركها له ولبيته راجعةً لبيت ذويها . كانت شغلته دلالَ ملابس مستعملة جوالا ً يعرض البضاعة على الناس بأدب دون أن يضغط على المارة ومن يحسبهم من الزبائن أو يلح أو يلاحق كعادة الكثيرين من الباعة المتجولين.


ثالثاً / عبد العَمَص


عبد العمص رجل معتوه مسكين يتندر عليه ومعه أهل الحلة وخاصة الأطفال وطلاب المدارس فهو النجم المفضّل لهم . يثيره الأطفال بكلمات أو إشارات السخرية فيرد عليهم بأسوأ ألفاظ السباب والشتيمة دون أن يحفظ أو يرحم أما ً أو أبا ً أو أختاً ... يمزق بلسانه وشتائمه الجميع ... وإذا لزم الأمر فإنه يعرج على الرب والأنبياء شاتماً لاعناً ساخراً من الجميع . لكنه في نهاية الأمر لا يمتنع من تقبل ما يعرضون عليه من بعض النقود دون أن يقولَ كلمة شكراً . قاسية هي مجتمعاتنا لا ترحم ضعيفاً أو معتوهاً أو ناقص الخلقة أو معطوب الجسد .


رابعاً / الهبش ... آكل الأفاعي والعقارب


هذا رجل مشهور على نطاق مدينة الحلة ... رجل سوي لا معتوه ولا معوَّق لكنه مغرم بأكل الأفاعي والعقارب فكانت الأفاعي تمثل باب رزقه اليومي الوفير . كيف ؟ يرجوه الناس أن ينقذهم مما في بيوتهم القديمة أو في حدائق بيوتهم الحديثة من أفاع ٍ تقلق راحتهم أو تخيفهم وتفزع أطفالهم فيهرعون إليه مقابل أجور يفرض مقاديرها هو عليهم فيرضخون مضطرين . هذا وجه واحد من ظاهرة الهبش ... أما الوجه الآخر الذي قد يعز نظيره في الحياة فيتمثل في أنَّ الرجل لا يقتل ما يمسك من حيات وأفاع ٍ وعرابيدَ سود سامة قاتلة إنما ... يحتفظ بها طعاما ً ليومه وربما لليوم القادم من باب الإحتياط !! نعم ، يأكل الأفاعي نيئة ً غير مطبوخة ... مبتدئاً بالرأس [ يقول هذا رأس باجة الأفعى وهو ألذ ما فيها ] ... لذا فكان الرجل مستغنياً عن سوق اللحوم والقصابين لا يقربهم ولا يرى لهم وجهاً . رزقه على الأفاعي المتحركة الحية التي تتنفس هواء الحياة فما حاجته للحوم المذبوحة على قبلة المسلمين ؟ كان يمشي ويجلس في بعض مقاهي الحلة وجيوبه ملأى بأنواع الأفاعي الحية . جلس ذات يوم في مقهى سومر بقربي وطلب ستكان شاي . أخرج أفعى صغيرة من جيب دشداشته الجانبي وكان الموسم صيفاً وشرع يقرض ويقضم والدماء تسيل من شدقيه كأي وحش شرس ينقض ُّ على فريسته فكنت أشيح عنه بوجهي لأنَّ المنظر لا يُحتمل أبداً . شرب الشاي ثم بدأ ... يا للهول ... بدأ يقضم زجاج الإستكان حتى أتى عليه بالكامل . جاء السيد نجم عبود العجمي صاحب المقهى محتجاً معاتباً فما كان موقف الهبش من هذا العتاب والإحتجاج ؟ نهض ثم قال بلهجة جادة وحاسمة حازمة : إش ... ولا كلمة ... هاك خمسين فلس ثمن الإستكان !! ضحك نجم منه وأخذ الدرهم شاكراً . الطريف أنَّ هذا الهبش وطوال جلسته معي بقربي في مقهى سومر لم يكف عن عرضه لي وإلحاحه في أنْ أمد َّ يدي في أي ٍّ من جيوبه لكي أقتنع أنَّ فيها أفاعي كثيرة كأنه كان في شك من قناعتي بالأمر . سألته أما تخاف أن تنهشك أفعى سامة فتقتلك ؟ أجاب باسماً ساخراً : وأين هي هذه الأفعى السامة التي إنْ لدغتني قتلتني ؟ جدها لي دلني عليها وهاك نصف دينار عربوناً !! واصل كلامه : أنا قاتل الأفاعي السامة ... إذا ما عضضت إحداها ماتت على الفور ... السم في دمي ولعابي لا في أسنانها .


هكذا كان الهبش لا يؤمن بالرقية من الأفاعي ولا بالسحر والنفخ ولا بما يحمل بعض الناس من كتابات مسحورة تقيهم شر الأفاعي ولدغاتها أو تدفع عنهم شرور حاسديهم وأعدائهم . إنه هو ساحر الأفاعي وإنه هو قاتل الأفاعي فالسم فيه والخطر عليها لا عليه فما حاجته للرُقى وباقي الخرافات والخزعبلات ؟ الأطرف والأغرب هو أنه إذا لم يجد يوما ً ضالته وكفايته من الأفاعي لسبب أو لآخر فإنه لا يسكر إلا والمزة عقرب ضخم جبار الذنابة ( إبرة اللسع ) . فكان من باب الإحتياط يحمل في علبة كارتون صغيرة عدداً من العقارب في أحد جيوبه !! سمعت أخيراً أنه غدا بين عشية وضحاها قائداً (( عكاما )) ينظم حملات الحج وحجيج بيت الله الحرام في السعودية وإنه ظل دائباً وفياً لهذه الشغلة فحج مراتٍ لا حصر لها مكفراً عما إقترف من ذنوب بحق الأفاعي .


خامساً / المعلم والمغناطيس


كان أحد معلمي مدارس الحلة الإبتدائية يشرد ذهنياً في ساعة الدرس . يقف في باب الصف مسرِّحاً طرفه في الأفق البعيد يتكلم مع نفسه بصوت لا يسمعه أحد من التلاميذ . ثم ... وبشكل فجائي وبصوت حاد قاطع عال ٍ يردد كلمة بعينها لا أكثر << مغناطيس >> !! ما سر المغناطيس في رأس وفي حياة هذا المربي الكثير الأدب ؟ ما الذي يعنيه بالنسبة له ؟ هل في رأسه قطعة حديد تتأثر بالمغناطيس شداً وإنجذاباً ؟ إنكشف أمر هذا المربي الفاضل للمسؤولين فأعفوه من مهمات التعليم ونقلوه إلى دائرة أخرى لا علاقة لها بالتعليم حفظاً لسمعته وكرامته فإنه رجل كريم لولا قصته مع المغناطيس !!


سادساً / عبد الستار


هذا رجل عرفته الحلة في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم رجلاً عاقلاً متزناً أنيقا ً يملك محلاً يبيع فيه الملابس الجيدة وبعض العطور لكنه يفاجئ الجميع وبشكل فجائي بالظهور في هيئة مغايرة تماماً لما يعرفه الناس عنه . يجيب الطرقات في ملابس مزرية رثة غير حليق اللحية لا يكلم أحداً شارد العينين كأنه في لامكان في هذه الدنيا . رأيته مرة ً على شاطئ نهر الفرات حافي القدمين في مظهر أسوأ بكثير من مظاهر الشحاذين . لاحظته يكلم النهر وحصى الساحل يرفع واحدة ويرمي الأخرى فعجبت من أمره وحين سألت بعض المارة عنه وعن أمره شرحوا لي قصته المؤسفة ثم علمت حينذاك أنه أب لواحد من ألمع الطلبة في تأريخ الحلة ثم إنه أب لفتاة جميلة معروفة بأدبها وعفتها غدت معلمة وتزوجها أحد أقاربها من زملائي الأعزاء في التعليم الثانوي . فهمت أنَّ الداء في الخمرة ولا غير !! حين يتناول الخمور ينقلب حال المسكين فينفصل عن العالم كلية ً وينهار هذا العالم في عينيه فلا من قيمة آو إعتبار إجتماعي ... يتحول إلى مخلوق بري لا علاقة له بما يحيط به من بشر ومجتمع وتقاليد وأصول . يغيب ولا يفيق إلا إذا غادر مفعول الخمرة رأسه وأعصابه فيعود في اليوم التالي إلى عمله ومحله الأنيق المرتب جيداً يستقبل فيه ويخدم زبائنه بوجهه البشوش وأناقة مظهره وجودة بضاعته. هل هو نوع من الصرع أو الشيزوفرينيا ؟ أفلم يمنعه أحد ٌ من أهله من تناول الكحوليات ؟ أصبحت مع مرور الزمن صديقاً لولده الذكي الأبي الخلوق بعد أن أكمل دراسته في بعض الجامعات البريطانية وعاد للعراق بعد ثورة تموز 1958 وعمل مهندساً مع المقاول المهندس عباس الماشطة . جاءت معه زوجه العراقية الأصل ثم غادرا العراق عدداً من السنين . إلتقينا في بغداد مرة ً أخرى صيف عام 1970 وكان يبحث عن عمل ... عرّفته على صديق بدرجة مدير عام فعرض عليه العمل في دائرته فوراً وهكذا كان . لكنه لم يلبث في وظيفته طويلاً إذ غادر العراق ولم يعد إليه ثانية ً . لا أتذكر أين إلتقينا للمرة الأخيرة حيث أخبرني أنه يعمل في المانيا الغربية يومذاك وأن َّ بعض الأطباء تسببوا في موت زوجه الراقدة في مستشفاهم


__________________








احمد الباقرمشاهدة ملفه الشخصيالبحث عن المشاركات التي كتبها احمد الباقر







#9



14-02-2010, 09:07 PM


احمد الباقر




رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


عرباين الحلة




للعرباين في مدينة الحلة تأريخ عريق ضارب في القدم . لا أتكلم عن مراحل دخول السيارات الأجنبية ذوات الإحتراق الداخلي العاملة بوقود البنزين لأسواق العراق ، إنما أتكلم عن بدايات أربعينيات القرن العشرين ثم خمسينياته فأوائل الستينيات . الملاحظ أن َّ هناك علاقة تناسب عكسي بين عدد السيارات العاملة وعدد العربات المستخدمة لنقل الناس داخل المدينة الواحدة . فكلما إزداد عدد السيارات إنخفض عدد العربات [ العرباين ] . في الحلة أربعة أصناف من العرباين تتباين في الحجوم والتصميمات حسب ما تؤدي من وظائف وخدمات .


أولاً / عرباين نقل الركاب داخل مدينة الحلة / يجرها حصانان


تتحرك عربة هذا الصنف على أربع عجلات الأمامية منها صغيرة المحيط والقطر أما الخلفية فأكبر من الأمامية قطراً ومحيطاً . وتتكون من هيكل رئيس مخصص لجلوس الزبائن يستوعب عدداً من المسافرين يتراوح بين 4 ـ 5 في الأحوال الإعتيادية. هذا الجزء مغطى بظلّة واقية متحركة أماماً وخلفاً تبقى مفتوحة صيفاً فينكشف الراكبون . أما شتاءً فيتم سحبها حتى تغطي المقصورة الرئيسة فقط لا تتعداها مشكلة قوساً يساوي تقريباً ربع محيط دائرة . أما الجزء الخاص بسائق العربة ( العربنجي ) فيتميز بوضع خاص . فيه مكان لجلوس السائق أعلى من بقية أجزاء العربانة الأخرى ، ثم إنه مكشوف صيفاً وشتاءً فلا ظل ٌّ يحمي العربنجي من شدة حرارة أجواء صيف العراق ولا ظلة تقيه برد وأمطار الشتاء . فحاله ليس بأفضل من حال حصانيه البائسين . يمسك الحوذي ( العربنجي ) في يده عادةً سوطاً طويلاً يلطم به جانبي حصانيه بين آونة وأخرى كوسيلة لحثهما على الإسراع في الجري . كيف يجري حصان جائع يكدح أكثر من إثنتي عشرة ساعة ً في اليوم بما فيه من جروح وكلوم ودبرات من أثر قرع سياط الحوذي ثم آفة القراد الملتصق بجلده وكفله [ مؤخرته ] يمتص دون هوادة دمه وهوفي الأصل قليل جرّاء سوء التغذية . كنا في طفولتنا نلهو ونلعب ونخدع الحوذية ونتنقل مع العربات هنا وهناك مجاناً لا في داخل العربة وإنما نقتعد تختة خشبية تقع آخر العربة من خارجها لا أعرف سر وجودها ولا ما تؤدي من وظيفة هناك . كنت ومجموعة أصدقائي من الأطفال مسرورين بهذه التنقلات المجانية حتى ... إنتبه العربنجية للعبتنا وما يكتنفها من مخاطر على حياة الأطفال الضاحكين على الذقون فكيف ردت العربنجية ؟ وضعوا أسلاكاً شائكة خلف عرباتهم بحيث تعذر الجلوس على تختة الخشب إياها التي كنا نلتجئ إليها في تجوالاتنا مع العربات جيئة ً وذهاباً . ملاعين عربنجية ... أذكياء عربنجية ... سرسرية حوذية ! كان الخط الحيوي الرئيس لحركة هذه العربات هو الخط الذي يربط مركز المدينة المقابل لمركز شرطة الحلة بمحطة القطار البعيدة نسبياً عن مركز المدينة بحسابات ذلكم الزمان . الخط الرئيس الثاني لحركة هذه العربات أو ( الربلات مفردها ربل ) هو خط المركز ـ موقف السيارات المتجهة إلى كربلاء ، أما الخط الثالث الدائب والدائم الحركة ليلاً ونهاراً فهو خط المركز ـ باب المشهد حيث مواقف السيارات والحافلات المتجهة لمدينتي النجف والديوانية وما بينهما وبين الحلة من نواح ٍ أو أقضية وقصبات . الخط الرابع هو أضعف الخطوط ... الخط المتجه نحو جانب الحلة الصغير أو ( الصوب الصغير ) كما كنا نسميه. حين كنت أزور مدينة الحلة في سبعينيات القرن الماضي هالني قلة عدد ما رأيت من هذه العرباين . لكني لم أُدهش إذ لاحظت كثرة وجود سيارات التاكسي الصغيرة التي كانت تنافس العربات التي ولى عصرها وزمانها . لاحظت أنَّ سائق السيارات القديم السيد ( عبيدة الربيعي / من سكنة محلة السنية في وسط الحلة سابقاً ) يدير مكتباً لتشغيل مجموعة من سيارات التاكسي فقلت واللهِ إنَّ الحلة بخير . سلام الله على عرباين زماننا البسيطة ... لا تستهلك بنزين ولا تحتاج إلى مكائن إحتراق داخلي أو خارجي ولا إلى مخدات مغناطيسية ولا إلى تأمين وإطارات كاوجك ... إلخ . لا أدري مَن كان يصنع ولا أين كانت تصنع تلك العرباين . لمما يلفت النظر حقاً أنه برغم بساطة هندستها وتركيبها لم يُسجلْ في كل تأريخها في الحلة ـ على حد علمي ـ حادثٌ مؤسف من قبيل التصادم أو إنقلاب العربة الذي يؤدي إلى سقوط قتلى أو جرحى أو ما شابه ذلك . أمان أمان مطلق وتلك نعمة فضيلة كبرى .


ثانياً / عربات الحمولات الخفيفة / عربات يدفعها رجلُ


تتحرك هذه العرباين عادة ً على عجلتين صغيرتين فقط ( جروخ ) تشغلان مكاناً يقع في مؤخرة العربة . لها حوض منخفض مستطيل الشكل بجدران قصيرة واطئة يدفعها رجل واحد ماشياً وراءها يسميه أهل الحلة [[ حمّال ]] . تنقل هذه العرباين للناس ما يبتاعون من سوق الخضار والعلاوي الكبيرة من حمولات الرقي والبطيخ وأقفاص الطماطة أو بعض أكياس السكر والرز المحدودة العدد . عربات عملية ليست كبيرة بحيث إنها قادرة على الولوج حتى في الأزقة والدرابين الضيقة .


ثالثاً / عربات يجرها حمار واحد فقط


هي وسط بين الأولى والثانية من حيث الهندسة والتركيب لا من حيث ما تؤدي من خدمات . فهي أصغر مساحة ً من الثانية وإن كانت مثلها مستطيلة مسطحة دون حواجز جانبية . على أن أطرف ما فيها وما يميزها أنها وإنْ كانت كالثانية تتحرك على عجلتين صغيرتين لكنها تقاد من قبل حمار صغير مؤدب [ ميزاكط ولا يعنفص ولا يضرب زواج ] يوجهه سائق يتخذ عادةً هيئة الوقوف ماسكاً بكلتا يديه سيرين من الجلد ينتهيان بلجام معدني يخترق فم الحيوان للسيطرة ودقة التوجيه . من أكثر هذه العربات شهرة في الحلة واحدة يملكها شاب هو الآخر من قطنة محلة السَنية يكاد منظره يصدع الصخر حين يمر بعربته في الشارع الرئيس : يقف خلف حماره في عربته كقائد عسكري أتى ظافراً من معركة حاسمة فيضج الناس بالضحك لأنَّ هذا القائد الظافر أكبر حجماً من حمار عربته وأكثر وزناً منه بمرتين في أقل تقدير !! تنقل هذه العربات بشكل أساسي أكياس السكر والرز والطحين من محلات البيع بالجملة إلى محلات البيع بالمفرد أو تنقل أكياس الحنطة والشعير من البيوت أو الدكاكين إلى المطاحن في منطقة باب المشهد .


رابعاً / عربات بيع الشلغم والدوندرمة / يدفعها صاحبها بيديه


كانت هذه العربات كثيرة الشيوع في مدينة الحلة لأنها عملية جداً وصغيرة الحجم وسريعة الحركة وسهلة التنقل وخفيفة الوزن فهيكلها خشب . أكبر مزاياها أنها قابلة للتكيف حسب المطلوب منها من خدمات تؤديها صيفاً أوشتاءً . ففي الشتاء تنقل الشلغم المطبوخ بالدبس لبيعه في الشوارع وأمام مداخل المقاهي ومكانها المفضل هو مداخل المدارس . وتنقلب صيفاً إلى عربات لبيع الدوندرمة وأمكنتها صيفاً كأمكنتها شتاءً : أمام المقاهي وأبواب المدارس . كان الأشهر من بين باعة الشلغم الشتوي والآيس كريم الصيفي شخص إسمه ( كاظم بربوك ) . يليه آخر إسمه ( جودي ) . ثم كان هناك السيد ( جواد المجدور ) الذي كان يدور ويقطع الشوارع حاملاً على رأسه صينية غريبة المحتويات صممها بحيث تكوِّن مثلثات يملأ كل مثلث بحلوى كثيفة خاصة مختلف ألوانها موحدة الطبيعة والتركيبة والمحتويات يسميها ( علوجة أو علجة ) . يأتيه أحدنا حاملا عشرة فلوس ونطلب منه علوجة بلون معين نختاره نحن لا هو فيغرس سكيناً مثلث الرؤوس في المثلث ذي اللون الذي طلبناه ويخرجه مع ما علق به من هذه العلكة ثم يأمرنا أن نفتحَ أفواهنا فيدخل سكينته فيها ثم يقول : إطبقْ فمك وتمسّكْ بالعلكة قوياً بين أسنانك (( فك حلكك ... سد حلكك ... أخرط العلجة بسنونك )) ... لذا أطلق الحلاويون على هذه الحلوى وصاحبها وصفاً ممتعا ساخراً هازلاً هو (( خرطه بسنك )) . هذا يكفي لمعرفة أنَّ المقصود هو جواد المجدور وحلواه المتعددة الألوان المفردة الطبيعة والمذاق والتركيب ... خرطه بسنك ... كما أفاد نفر ٌ آخر من الباعة من هذه العربات ولكن لبيع (( الأبيض وبيض )) أو (( صمون وعنبة )) أو بعض أنواع الزلابية الرديئة وسواها من الحلويات الرخيصة كحلاوة التمر (( المدكوكة )) أو (( الدهينية )) وما إلى ذلك .


من أشهر الباعة المتجولين الذين لا يحتاجون إلى عربات أيا ما كانت هم صنف آخر من الكسبة الكادحين أذكر منهم باعة القهوة الراجلين صيفاً وشتاءً على رأسهم السيدان كريم عبدان درويش والد كريم وتلميذي محمد ( الدكتور في الفيزياء فيما بعد ) ثم إبراهيم العزاوي والد الزميل خليل العزاوي. كما أذكر بائعاً جوالاً آخر إسمه محمد الذهب أو أبو الذهب الذي كان يبيع اللبن صيفا يحمله بسطلين ثقيلين منادياً عالياً ( جلاّب يا لبن ) أي بارد جداً . وفي الحلة في سالف الزمان رجل آخر معروف يتجول في الشوارع حاملاً على رأسه صينية كبيرة ملأى بالبورك المحشو بالكرفس مع قليل من آثار لحم مفروم . وأشهر بائع كبة في الحلة هو السيد أيوب أبو أموري والدبابة إبنته البدينة . كان يتخذ مقراً له في مقهى تقع في وسط الحلة في شارع المكتبات أظن أن إسمها مقهى وادي أو عباس وادي وكانت هذه المقهى مركزاً لتجمع مجاميع الراقصين من الرجال ( الشعارين ) وبعض آلات عزفهم معلقة في واجهة المقهى . ومن هناك يتوزعون على مناسبات الأفراح والأعراس وختان الأطفال ويوزعون رزقهم بينهم بعدالة دقيقة ( مشاعية بدائية ) .


لا يفوتني ذكر نوع آخر من العربات كان بعض الأطفال المدللين من قبل ذويهم يزودونهم بها للهو والتسلية تُسمى ( عرباين جروخ صجم ) . تتكون من تختة خشبية صغيرة واطئة تكاد تمس الأرض تكفي لجلوس الطفل عليها وتتحرك على عجلتنين صغيرتين خلفيتين وأخرى أمامية في وسط الواجهة تماماً فيها مقبض يمسكه الطفل بقوة لتوجيه مسار العربة .


ثم جاء عهد الدراجات الهوائية فإنقرضت عربات الصجم وبقيت باقي أنواع العربات .


قصص أطباء وصيادلة عرب خدموا في الحلة




١ ـ قص عليَّ الصديق الحلاوي العزيز دكتور ممتاز كامل كريدي


خلال بعض مكالماتنا التلفونية الطويلة قصة طبيب سوري او لبناني خدم مهنة الطب في مدينة الحلة في اربعينيات القرن الماضي إسمه ( قصدي الشهّال ) . القصة غريبة لم اكد ان اصدقها لولا ثقتي بالدكتور ممتاز وما يزودني من معلومات فإنه مصدر ثقة وشاهد عدل وصاحب ضمير . قال ممتاز ان شرطة وبعض رجال امن الحلة داهموا يوما وفي ساعة محددة بيتا بعينه من بيوت درابين الحلة القديمة الملتوية المعقدة والمتعرجة على نفسها . كانت على ما يبدو لدى عناصر الامن والشرطة معلومات دقيقة تشير الى وجود اجتماع في هذا البيت بالذات لعناصر خلية من خلايا حزب ممنوع وغير مرخص به هو الحزب الشيوعي العراقي . كانت مفاجاة كبيرة هناك اذهلت عناصر الشرطة اذ اكتشفت ان من بين حضور ذلكم الاجتماع طبيب غيرعراقي معروف في الحلة وله عيادة خاصة لاستقبال المرضى بعد الدوام الرسمي وربما كان طبيب مستوصف صحة الطلاب. انه الدكتور قصدي الشهال . تم اعتقال جميع عناصر ذلك الاجتماع فاودع العراقيون السجن وتم تسفير الطبيب على الفور الى خارج العراق . من الذي ربط هذا الطبيب الغريب بالحزب الشيوعي العراقي وما الذي اغراه او زين له النشاط في صفوف وتنظيمات هذا الحزب الاممي ؟ ام ان الشيوعي في بلد عربي هو كذلك في اي بلد عربي يكون ؟ اميل الى ترجيح هذا الجواب فمن خبرتي المتواضعة اعرف ان الشيوعي العراقي هو كذلك شيوعي في كافة الاقطار الاشتراكية السابقة ، الا ان تنظيم العراقيين مستقل بافراده واعضائه عن تنظيمات الاحزاب الاخرى ولا افشي سرا خطيرا ان قلته اليوم . اما زلت حيا دكتور قصدي الشهال ؟ لم نسمع عنك شيئا بعد ان اجبرت على مغادرة العراق ومدينة الحلة التي احببت وانتظمت في صفوف شيوعييها . اطرف ما في هذا الامر ـ حسب ممتاز كريدي ـ ان المحامي الحلاوي والشيوعي القديم المعروف السيد جواد كاظم ( شقيق رفيق كاظم ) هو من اصطحب الطبيب الضيف الى اجتماع تلك الخلية وقدمها له قائلا : اقدم لك مجموعة من مناضلي الحزب ... هؤلاء الشباب هم من سيقلب اوضاع العراق وينتزع السلطة من نوري السعيد والنظام الملكي ويبني صرح الاشتراكية في العراق !! كان واضحا ان المحامي اراد ان يطيّب الجو امام الطبيب فقال ما قال من باب النكتة الساخرة . شاءت الصدف ان التقي بعد ثورة تموز 1958 والمحامي جواد كاظم ( وكان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يومذاك ) اذ كنت امشي ذات يوم في احد شوارع الحلة بمعية اخي الاكبر المرحوم عبد الجبار وتبين انهما من جيل واحد ودرسا في ذات المدارس الحلاوية فتعانقا وتبادلا الاشواق والتحيات ثم عرفني اخي عليه بالاسم والصفة السياسية .


٢ ـ الطبيب السوري ( أ . ز . ) / او العراقي الدارس في سوريا !!


ما مارس هذا الطبيب في الحلة الا مهنة الطب وكانت له عيادته الخاصة كشان كل الاطباء . ما قصة هذا الطبيب ؟ خطب فتاة من عائلة حلاوية معروفة فرفضته عائلة الفتاة . صحت الحلة ذات يوم على خبر مذهل صعق الجميع : اختفاء الفتاة والطبيب معا !! تمردت الفتاة على قرار وارادة ذويها ونفذت ارادتها الخاصة وما كانت تحمل من حب كبير لهذا الطبيب الجميل الوجه . تحدت كل جبروت تقاليد عائلتها العريقة وقبلت ان تغامر بكل شئ فالحب كما يقولون اعمى . فتاة شجاعة مثالها نادر في العراق . انتصر الحب فيها على كافة تقاليد وعراقة عائلتها وهي عائلة كبيرة شريفة الاصل والمحتد من جهة ابيها وامها واصهار عائلتها وهم من شيوخ العشائر الكبيرة المعروفة . تحدثت الحلة طويلا عن قصة هذه الفتاة المقدامة التي هربت مع من تحب تاركة اهلها ووطنها اذ غادرا العراق الى مكان ما ما كان معروفا . مرت الاعوام كدابها سريعا فشدتني ايام الصبا والشباب المبكر ببعض افراد عائلتها ممن كانوا في مثل عمري او يناهزونه . ثم كانت هناك علاقات اخرى بين بعض اشقائي الاكبر مني وبعض ذويها الاقربين . مرت اعوام اخرى كثيرة غادرت العراق في اواخرها هربا من بطش وتعسف نظام حكم حزب البعث في العراق لاجد نفسي في العاصمة الليبية طرابلس استاذا لتدريس الكيمياء في جامعة الفاتح . كنت اواخر شهر ايلول من عام 1979 اتسوق من بعض المخازن الطرابلسية وما ان غادرت المخزن حتى فوجئت بامر ما زال يحيرني . ما كنت رايت فتاتنا الشجاعة المتمردة في الحلة ولا في غير مدينة الحلة يوم ان وقعت واقعتها وعرفت مدينتا قصتها . كما لم ارها قبل ذلك فلقد كانت العادة يومذاك ان ترتدي النساء العباءة السوداء وغطاء الوجه المسمى ( بوشيّة ) . غادرت المخزن ذاك فواجهتني عائلة صغيرة مكونة من صبي بدين ازرق العينين ورجل وسيم بدين ضخم الجثة فضلا عن سيدة . برق فورا خاطر في راسي هل كان الهاما لا ادري . تطلعت في وجه السيدة وقارنته بوجوه اصدقائي من افراد عائلتها فصرخت بشكل عفوي : اهلا بآل ( ... ) ! عقدت الدهشة لسانها ، تغلبت على عنصر المفاجاة سريعا لتسالني بشوق عارم وشهامة عراقية صميمة : ومن تعرف من آل ( ... ) ؟ عددت لها اسماء من اعرف من افراد عائلتها ونوع علاقتي واهلي بهم . لم تصدق . كادت ان تبكي . سالتني من انا وماذا اعمل في طرابلس وهل انا وحيد ام معي عائلة فاجبت جميع اسئلتها . ما كان زوجها مرتاحا من ذلك اللقاء لذا كان يحثها دوما على انهاء حديثها معي لكنها ما كانت تبالي فواصلت الحديث وتشعبت حتى سحبها من ذراعها بلطف وافترقنا ولم ارها بعد ذلك خلال فترة وجودي في طرابلس لستة اعوام .


تستحق قصة هذه السيدة ان تكتب بشكل عمل روائي فريد في بابه . لم تثرثر عن حقوق المراة ومساواتها بالرجل ، انما اخذت زمام المبادرة ونفذت ارادتها كاملة وتحملت ما تحملت من غربة وتشرد وحرمان من اهلها ونصيبها ارثا من ثروة اهلها .


٣ ـ الطبيب اللبناني سامي شيخاني


قصة هذا الطبيب قصة طويلة بقدر ما هي طريفة . جاء الحلة اوائل خمسينيات القرن الماضي وعمل طبيبا في مستوصف صحة الطلاب لفترة جاوزت العقود . جم الادب كثير الوقار ضخم الجثة وسيم الوجه شديد التحفظ بعلاقاته مع اهل الحلة فلم يختلط او يزر احدا او عائلة الا عائلة المقاول الثري السيد توما ( والد لطيف ) . كان يكثر من زياراته الليلية لهذه العائلة الحلاوية العريقة المعروفة جيدا في اوساط جيل المرحومة جدتي لوالدتي اذ كانت والدة السيد توما تمارس عملية تلقيح اطفال الحلة باللقاح المضاد للحصبة والجدري مجانا . كان الطبيب اللبناني الوقور يلعب القمار مع مضيفه بحضور صديق آخر للعائلة هو المحامي السيد رؤوف الامين . حلقة صغيرة من الاصدقاء تلتقي في بيت صديق كريم تلهو وربما تاكل ما تقدم لهم هذه العائلة . سالني الدكتور سامي وقد زرت مستوصف صحة الطلاب عام 1953 ( متمارضا ) ابن مَن انا ؟ فوجئت بسؤاله وهو المتحفظ الميال للعزلة كثيرا فقلت له : لا تعرف والدي ، انا ابن عبد الكريم الظاهر .هز راسه بادب ووقار . ما كان يعرف ابي . الطريف من بعض امور هذا الطبيب انه ايام امتحانات بكالوريا السنة الخامسة اعدادي يبكر في الصباح فيفتح عيادته الصغيرة في وسط المدينة ليستقبل الطلبة الذين يرومون تقارير طبية لتاجيل امتحاناتهم في هذه المادة او تلك حسب تعليمات ذلك الزمان . كان يتقاضى خلال تلك الاعوام ربع دينار مقابل كل تقرير طبي يكتبه بحق الطالب . كان يفتعل بالطبع هذا المرض او تلك العلة لكي يُعفى الطالب من اداء مادة ذلك اليوم . اسهال مثلا ... او صداع حاد ... او قلق نفسي حاد ... وما شابه ذلك من امراض واختلالات يجيد الطبيب افتعالها مقابل ربع دينار من كل طالب فكان يجمع كل يوم ما معدله دينارين الى دينارين ونصف بواقع ان عدد الطلبة من زوار الفجر كان يتراوح صبيحة كل يوم بين 8 ـ 10 طلاب . يبدو ان طبيبنا كان بحاجة ماسة لهذا المبلغ ليعوض به خساراته الليلية في القمار الذي يمارسه في دار صديقه ابي لطيف . هل كان يخسر يوميا او دائما ؟ لا احد يدري .


جاءت ثورة تموز 1958 فحدث مع هذا الرجل ما لم يكن في حسبان احد ! اخبرني صديقي وهاب غ . بعد ذلك باعوام انه وخلال اعوام عبد الكريم قاسم كان ياخذ من هذا الطبيب تبرعا شهريا للحزب الشيوعي باعتباره صديقا للحزب ! زار وقد عاد هذا الصديق اوائل سبعينيات القرن الماضي للعراق ... زار الدكتور سامي شيخاني في المستوصف اياه ليسلم عليه ، ما كاد يعرفه فقال له : لا ادري اين التقيت بك ، وجهك ليس غريبا علي ! ضحك صديقي وهاب فصارحه انه كان ياخذ زمن قاسم منه تبرعا شهريا منتظما للحزب الشيوعي . هز راسه موافقا بوقار وادب .


اخبرني صديق حلاوي طبيب اواسط سبعينيات القرن الماضي ان جاره في السكن هو الطبيب سامي شيخاني . كانا يتزاوران اذ كانت في عصمته زوجة فنانة اسبانية . كان يشكو لصديقي الطبيب انه وبعد كل هذا العمر الطويل من خدمة المهنة لا يملك بيتا خاصا به ولا اي رصيد في البنوك. ما انبلك دكتور سامي شيخاني وما اكثر ادبك واستقامة تربيتك ونشاتك البيتية . اين انت الان ؟ اشيع عنه انه اخذ الجنسية العراقية .


٤ ـ اطباء عرب آخرون وصيادلة


ما كان سامي شيخاني اول من يتجنس عراقيا اذ سبقه الى ذلك الصيدلي السوري عزت تحسين والد الاستاذ دكتور الفيزياء صلاح عزت تحسين من اوائل الذين اداروا مؤسسة الطاقة الذرية العراقية بعد ثورة تموز 1958 وفي زمنه تمتعت بزمالة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للدراسة ستة اعوام في جامعة موسكو. ثم انه كان من جيل اخي الاكبر المرحوم عبد الجبار في مدارس الحلة الابتدائية ثم المتوسطة في ثلااثينيات القرن الماضي . ثم الطبيب السوري امين الرفاعي الذي خدم الحلة طبيبا لعقود وعقود اذ حمل الجنسية العراقية خاصة وعقيلته سيدة عراقية من اهالي العمارة . وممن تجنس في العراق ـ على ما اظن ـ الطبيب السوري الاخر يوسف جبّوري الذي انقذني طفلا من موت اكيد جراء اصابتي بمرض الملاريا الذي انتشر في بعض مناطق العراق صيف عام 1941 . ما زال مقيما في ذاكرتي طعم حبوب الكنين الصفراء الشديد المرارة وسائلها وما كان يومذاك سوى الكنين عقارا مضادا للملاريا يوصفه طبيبي لي فكنت افضل الموت على تجرع دوائي الشديد المرارة . ثمة َ طبيب سوري آخر هو محمد محفوظ والد زوج العقيد صلاح الدين الصباغ وجد نمير او انمار الصباغ . بقي الصيدلي سيمون آزاجي ... لا ادري هل هو الآخر سوري ام عراقي ؟ للمرحوم المحامي الحلاوي رؤوف الجبوري شعر قاله في سيمون آزاجي كان يرويه لنا استاذنا المرحوم عبد الرزاق عبد الكريم الماشطة ... شعر لا يمكن عرضه للناس اذ فيه بذاءة وسخرية وكلمات نابية تثير الكثير من الضحك لدى سامعها . كما له قصيدة في الفن يقول في مطلعها :


بستوكة ُالفن يا ويلي قد انكسرتْ



لم يبق َ من طينها الا عراويها





يعرف اهل الحلة ( البستوكة والعراوي ) ...


رجاء حار : ارجو القراء الكرام وخاصة اهل الحلة ان يصوبوا ما ذكرت من معلومات ان وجدوا فيها امرا غير سليم اوان يضيفوا لها ما قد فاتني ذكره وان يطوروها ويفتتحوا صفحات جديدة من تاريخ الحلة في القرن الماضي .


__________________








احمد الباقرمشاهدة ملفه الشخصيالبحث عن المشاركات التي كتبها احمد الباقر







#10



14-02-2010, 09:08 PM


احمد الباقر

رد: سيرة وذكريات عن الحلة الحلقة الاولى


أطباء عراقيون في الحلة لكنهم ليسوا منها




تناولت في الحلقة ١٣ من مسلسل الحلة في الذاكرة قصص بعض الاطباء العرب ممن خدموا مهنة الطب في مدينة الحلة لسنين طويلة تجاوزت العشرين عاما [ 1940 ـ 1962 ] حتى ان البعض منهم اقام في الحلة ولم يبرحها بعد حملهم الجنسية العراقية ولا اعرف ما الذي اغراهم بالبقاء في الحلة والعراق .


الحلقة ١٤ تتناول فئة اخرى من اطباء عراقيين لكنهم في الاصل ليسوا من مدينة الحلة . فمن بين الاطباء غير الحليين الذين عاصرت طفلا ثم شابا للفترة الزمنية المذكورة اذكر الاتين :


١ ـ الطبيب حميد شلاش


طبيب نجفي الاصل اصهر مع الوجيه الحلاوي المعروف السيد عبد الرزاق شريف واقام معه في بيته الكبير على ضفة نهر الفرات / فرع الحلة الواقع في قلب المدينة ليس بعيدا عن مبنى متصرفية لواء الحلة كما كانت تدعى يومذاك ، تقابلها تماما بناية كبيرة كانت مدرسة خاصة لليهود تُسمى ( أسكول ) . كما كانت لهذا الطبيب عيادة خاصة تقع في ركن من اركان بيت عمه . اتذكر جيدا اوائل اربعينيات القرن الماضي اللوحة المعلقة فوق باب عيادة الطبيب حميد شلاش تحمل اسمه في السطر الاعلى وفي السطر الاسفل منه كتابة اخرى تقول (( طبيب أخصائي )). كنا نحن اطفال ذلك الزمان نجد متعة خاصة في متابعة وقراءة وفك الغاز لوحات الاعلانات واسماء دوائر الحكومة وعيادات الاطباء وغير ذلك . اتذكر جيدا اني كنت احسب ان الدكتور حميد شلاش طبيب مختص بعمليات اخصاء الرجال ... هكذا فهمت كلمة (( أخصائي )) !! كان المالوف ان يكتب غيره من الاطباء (( طبيب إختصاصي بامراض القلب مثلا )) وليس أخصائي ... المهم ، غاب شلاش عن الحلة لاسباب اجهلها .


٢ ـ الدكتور علي الحلي


طبيب آخر جاء الحلة من النجف او كربلاء وتزوج وبقي فيها حتى وافته المنية المحتومة . تزوج الطبيب الحلي هذا كريمة السيد عبد الكريم الفلوجي شقيقة المحامي إقبال الفلوجي . تدرج في وظيفته فغدا مديرا لمستشفى الحلة ثم رئيسا لصحة اللواء . لكن عليه مؤآخذتين كبيرتين معروفتين في الوسط الحلي . ما كان نزيها في علاقاته ببعض الممرضات اولا (( الحلة تعرف قصته مع احداهن في الاقل )) ، ثم إنه كان يقوم بعمليات جراحية رغم انه ليس جراحا مختصا . لذا جاء الحلة عام 1951 طبيب جراح نمساوي اسمه هانس هانزل وطبيبة نمساوية اسمها جيرترود ماير ، كانت لهما عيادة مشتركة مقابل محطة البنزين / البانزينخانة في محلة التعيس من الحلة بجوار دار السيد عبد العباس مرجان . كانت عيادة لهما ودارا للسكن في عين الوقت . بمجئ الطبيب الجراح النمساوي توقف الطبيب علي الحلي عن اجراء العمليات الجراحية وقيل في حينه انه مُنع من ذلك منعا باتا . دأب الجراح النمساوي على قطع المسافة بين داره ومبنى المستشفى مشيا على قدميه رغم برودة بعض ايام الشتاء القارصة . كنت الاقيه صباح كل يوم تقريبا انا في طريقي للدوام في ثانوية الحلة للبنين وهو في طريقه للدوام في مستشفاه . اتذكر جيدا كيف كان يرد على تحية من يحييه من اهل الحلة اكراما له واعترافا بما كان يقدم من خدمات في مجال الطب والعمليات الجراحية بشكل خاص . ما كان يصافح من يسلم عليه ولا يتكلم بل كان يرفع قبعته من على راسه مع خفض الراس قليلا من باب الاحترام وما كنا على دراية بهذا الاسلوب من التحية او رد التحية في ذاك الزمن . يروى عن زميلته الطبيبة جيرترود ماير انها ـ وكانت طبيبة نسائية ـ عالجت ذات ليلة وكانت خفيرة في المستشفى رجلا يعاني من احتباس في امعائه وكان امامه خياران : اما ان يموت او ان يطلق الغازات المحتبسة في احشائه . كانت تشجعه ان يضغط على بطنه وان يحاول جادا اخراج ما فيها من هواء محبوس ولكن دون جدوى . تذكرت وهي المختصة بالامراض النسائية والتوليد ان النساء في الحلة ممن عالجت ساعات ولاداتهن يصرخن مع كل ( طلقة ) بنداء مجلجل : يا علي تسهيلا لمهمة نزول الطفل من بطن امه . وهكذا صارت تصرخ وهي تشجع الرجل المعاني من خطر الغازات السامة في امعائه في ان يضغط لاطلاقها [[ أن يضرط ]] مستعينة بصرخة (( يا علي )) حاسبة ان هذه الصرخة تصلح لجميع الحالات المشابهة لعملية ولادة طفل !! كان الطبيب علي الحلي مستاءً جدا من ثورة تموز 1958 حيث اقصي عن رئاسة الصحة لذا رفض تسديد بدل عضويته في نقابة اطباء الحلة واعرف تفاصيل هذه المسالة .


لعلي الحلي اشقاء اخيار منهم باقر ( درس في كلية الحقوق في بغداد كما كانت تسمى حينذاك ) والمهندس عبد الامير وثالث لا اتذكر اسمه كان ميالا كثيرا للعزلة ولا يختلط باحد . لماذ اطلق على نفسه لقب ( الحلي ) ، وهل لهذا الامر من علاقة بتمشية المهنة والعيادة بالانتساب الى الحلة ؟ ام ان اصل اهله واجداده من الحلة فعلا ؟


٣ ـ الطبيب ضياء حلاوي


ما الفرق بين حلي وحلاوي ؟


طبيب آخر لا اتذكر اصل مدينته جاء الحلة وفتح له عيادة خاصة ليس بعيدا عن متوسطة الحلة للبنين في وسط المدينة . التحق به بعد فترة ليست طويلة اخوه المحامي فشارك مبنى عيادة اخيه ليفتتح بها له مكتبا للمحاماة. كان الطبيب ضياء حلاوي يزور كل امسية صيفا بيت السيد مرزة القزويني على شاطئ الفرات المخصص لاستقبال الضيوف ويسهر هناك لكنه لا يشارك بما كانوا يخوضون من موضوعات. كان يتخذ مكانه على طرف احدى القنفات المعدة للضيوف بعيدا قليلا عن الباقين ويدخن من سجائره الخاصة وليس مما يقدم له خادم آل القزويني المخلص الامين وهو رجل زنجي يعيش مع كامل عائلته في كنف أبي فخري السيد مرزة. مع السجائر كانت تقدم للضيوف الدائمين فناجين القهوة الرائعة الطعم والرائحة من تهيئة الخبير اياه حارس وخادم اهل البيت . نعم ، حارس ، كنت اراه يجلس في سيارة الجيب خلف أبي فخري وبدري في حضنه رشاشة حينما كان أبو فخري يزور مزرعته واراضيه الزراعية في ضواحي الحلة . علاقتي واخوتي الاقوى بالسيد بدري الرجل الكريم خلقا وسلوكا وادبا وثقافة والجم التواضع . كان حريصا في اربعينيات القرن العشرين على حضور مجالس قراءة التعازي نهار يوم عاشوراء وكنت مع اخي الاكبر مني نحضر معه ونجلس في غرفة خاصة معدة لبعض الضيوف في بيت قريبه ابي موسى السيد جعفر القزويني حيث كانت تنتهي المواكب وتختتم الشعائر والطقوس من لطم مصاحب لقراءة المقاتل. تركت العراق وكان الصديق الجليل والاب السيد بدري مرزة القزويني قاضيا في المحاكم فهو خريج كلية الحقوق . لبدري وفخري شقيق هو الاصغر والاخير فيهم ... انه السيد فائق ، كما ان لهم شقيقة وحيدة هي وداد. لبدري ابن عم طبيب درس في النمسا اسمه شجاع علاء الدين القزويني اقام هناك وسمعت قبل بضعة اعوام انه للاسف رحل الى العالم الاخر . جرني الحديث عن الطبيب ضياء حلاوي للحديث عن اصدقائنا من آل القزويني ممن تربطنا بهم وشائج قوية جدا خاصة وما كانت المرحومة والدتي تفارق السيدة عمة فخري وبدري وديوانها العامر على مدار السنة تثقف نساء الحلة وتقدم لهن الاستشارات والطعام والمعونات المالية فضلا عن مجالس العزاء الحسينية المتميزة تحت اشراف هذه السيدة الجليلة . عودة للطبيب السيد ضياء حلاوي . إذا كان علي الحلي يجري عمليات جراحية في المستشفى العام مغامرا بارواح المرضى فان الطبيب ضياء حلاوي قام بما هو اشنع من ذلك .عالج في عيادته اصبع قدم طفل يقرب لي ففشل العلاج وتفاقمت حالة الطفل الصحية . عرض على ذويه ان يجري له عملية استئصال معظم الاصبع المصاب مقابل عشرين دينارا من دنانير ذاك الزمان . وافقت عائلة الطفل واجرى العملية فاستاصل الكثير من اصبع قدم الطفل اليسرى علما انه غير مختص بالجراحة . تماثل الطفل للشفاء لكنه ظل طوال عمره لا يستطيع المشي كباقي الناس.


طب ام شعوذة وجوع لجمع المال الحرام ؟ لقد ابتاع الدكتور حلاوي قطعة ارض كبيرة في بستان في منطقة لا احلى منها وابتنى قصرا له فيها ليس بعيدا عن النهر وثانوية الحلة القديمة للبنين والمكتبة العامة ومقابل قاعة المسرح والعروض الموسيقية والغنائية . يحيا الطب !! بقرة حلوب وسماء تمطر اموالا وجاها .


٤ ـ الدكتور حسين هاتف العطية


طبيب آخر جاء الحلة آواخر اربعينيات القرن المنصرم فاقام فيها وتزوج فتاة حلاوية وقيل عنه في حينه انه من اهالي الشامية . لكن احد اصدقائي المخضرمين نفى ذلك وقال انه حلاوي لكني احسب ان الرجل من الشامية. له اخوان هما السيدان محمد علي وصفاء وشقيقة واحدة .


٥ ـ اطباء آخرون جاءوا الحلة ولم يمكثوا فيها طويلا


اتذكر من بين هؤلاء الاطباء اقدمهم وهو طبيب الاسنان مهدي الصندوق . الطريف ان شقيقة الطبيب الصندوق جاءت الحلة عام 1951/ 1952 مع زوجها الضابط الموصلي السيد عزت رفعت البكري والد الصديق سعد لكن هذه العائلة لم تمكث في الحلة طويلا فضباط الجيش دائمو التنقل بين الوحدات والمدن .


ثم الطبيب النجفي احمد العندليب خريج الجامعات التركية وكان طبيبا عسكريا يخدم الجيش العراقي لفترة محددة كما كانت تقضي قوانين ذاك الزمان . افتتح له عيادة في احد بيوت مجمع بناية السيد سعيد الامين الضخمة الواقعة بين المدرسة الشرقية الابتدائية ومتوسطة الحلة للبنين على ساحة دائرية كبيرة . كما جاء الحلة طبيب العيون السيد موسى الشابندر وشغل واحدا من دور سعيد الامين آنفة الذكر عيادة ً وسكنا له وزوجه الانجليزية . كثرة من الاطباء سكنوا بيوت هذه العمارة او اتخذوا منها عيادات لهم منهم امين الرفاعي ثم الطبيبة زينب الراوي وغيرهما .





__________________















توقيع : ادارة الموقع

قهوة البوسلطان

في مضيف البوسلطان

عرض البوم صور ادارة الموقع   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2011, 03:57 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
احمد الهيمص
اللقب:
عضو جديد

البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 32
الدولة: العراق _بابل
المشاركات: 13
بمعدل : 0.01 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
احمد الهيمص غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ادارة الموقع المنتدى : منتدى مكتبة الأفلام
افتراضي رد: مدينة الحله في الذاكره - 1

عاشت الايادي اخي ع النقل الجميل












توقيع : احمد الهيمص

اصل الشجاعه الكرم

عرض البوم صور احمد الهيمص   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2011, 05:23 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
المحامي سيف ال سدخان
اللقب:
مشرف عام
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية المحامي سيف ال سدخان

البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 39
الدولة: العراق بابل
المشاركات: 884
بمعدل : 0.54 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
المحامي سيف ال سدخان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ادارة الموقع المنتدى : منتدى مكتبة الأفلام
افتراضي رد: مدينة الحله في الذاكره - 1

تبقى الحلة مدينة جميلة سابقا والان ولاحقا ....جميلة باهلها وارضها وسماءها












توقيع : المحامي سيف ال سدخان

من تجيك من الجبيل جموع سيل احنا ال نردها وغيرنا محد يرد
احنا الذي ناخذ الحيف من الجبيل مركبات كلوبنا تركيب صد

(اخو علية)

عرض البوم صور المحامي سيف ال سدخان   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2011, 05:41 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
ادارة الموقع
اللقب:
الاداره
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية ادارة الموقع

البيانات
التسجيل: Mar 2010
العضوية: 1
المشاركات: 867
بمعدل : 0.50 يوميا

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ادارة الموقع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ادارة الموقع المنتدى : منتدى مكتبة الأفلام
افتراضي رد: مدينة الحله في الذاكره - 1

أشرقت الصفحه بمروركم الجميل
اولاد العم












توقيع : ادارة الموقع

قهوة البوسلطان

في مضيف البوسلطان

عرض البوم صور ادارة الموقع   رد مع اقتباس
رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 07:12 AM

موقع قبيلة البوسلطان الرسمي - الأرشيف - الأعلى

Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
إختر لونك المفضل : اخضر أزرق احمر